الدولار النقدي لا يُنزل الأسعار: فجوة الـ 10.7% تُغلق بخفض كلفة الطريق الرسمي

الدولار النقدي لا يُنزل الأسعار: فجوة الـ 10.7% تُغلق بخفض كلفة الطريق الرسمي

 

المقدمة

لن تنزل الأسعار في العراق بمجرد أن يتوفر الدولار النقدي؛ ستنزل حين يصبح الطريق الرسمي أرخص من السوق السوداء. هذه هي الفكرة المركزية التي يغفلها نقاش الأيام الماضية.

في 7 تشرين الأول 2026 رفعت الحكومة سعر بيع الدولار الرسمي من 1,320 إلى 1,520 ديناراً، بزيادة 15.2%. وبعد أربعة أسابيع أغلقت بورصة الكفاح في 2 تشرين الثاني على نحو 1,682 ديناراً، أي أعلى من الرسمي بنحو 10.7%، وهو المستوى نفسه تقريباً الذي بلغه يوم القرار (1,685).

خلال ذلك ارتفعت أسعار الأرز والسكر والزيت والبيض بين 9% و15% في أسواق الجملة في اليوم التالي للقرار. وفي 1–2 تشرين الثاني أعلن نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية محمد تميم موافقة أمريكية على شحن 3 مليارات دولار نقداً خلال شهرين، ووعد باقتراب سعر السوق السوداء من الرسمي. ورفع البنك المركزي حصة المسافر من 2,000 إلى 3,000 دولار ابتداءً من 3 تشرين الثاني.

سؤال الشارع اليوم مباشر: إذا نزل الدولار، هل تعود أسعار السلع؟ الجواب الاقتصادي: ليس تلقائياً، وليس بالقدر نفسه.

التشخيص: ثلاث قنوات تمنع نزول الأسعار

القناة الأولى: كلفة الطريق الرسمي. المستورد الكبير ينتظر شهراً إلى شهر ونصف لتنفيذ حوالته الخارجية. هذا الانتظار رأس مال عامل مجمّد وكلفة تخزين وشحن وتأخير. والتاجر الصغير الذي لا يملك قناة مصرفية مناسبة يذهب مباشرة إلى السوق السوداء. الفارق بين السعرين إذن هو ثمن السرعة واليقين، لا ثمن الدولار وحده.

القناة الثانية: التضخم المستورد. منذ شباط 2026 يعمل مضيق هرمز بجزء من طاقته، وبرنت قرب 110 دولارات للبرميل، والشحن صار نحو 30% من كلفة البرميل بعد 5%. العراق يعتمد كثيراً على استيراد غذائه ومدخلات زراعته، فارتفاع الكلفة بالدولار يبقى في السعر النهائي حتى لو استقر الدينار.

القناة الثالثة: المالية العامة والتوقعات. تراجعت الصادرات النفطية من أكثر من 3.6 مليون برميل يومياً قبل الحرب إلى 2.34 مليون في آب، وتراجعت الاحتياطيات من نحو 106 مليارات إلى نحو 80 ملياراً. وتفترض مسودة موازنة 2027 إنفاقاً بـ217.2 تريليون دينار وعجزاً بنحو 43 تريليوناً، على فرضية 58 دولاراً للبرميل و4 ملايين برميل يومياً. العجز المموّل بالدينار يزيد الطلب على الدولار، والتاجر الذي يتوقع خفضاً آخر يسعّر بضاعته مسبقاً على هذا الأساس.

تجتمع القنوات الثلاث في ظاهرة معروفة: الأسعار تصعد بسرعة وتنزل ببطء. بل إن بعض التجار يستورد بالسعر الرسمي ويسعّر بسعر السوق السوداء، فيتحوّل الفارق إلى هامش ربح. ويتحمل العبء الأكبر أصحاب الدخل الثابت بالدينار، وهم الموظفون والمتقاعدون والعمال اليوميون.

ماذا يقول العالم

تضع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) العبء التنظيمي في صدارة أجندتها لعام 2026. ففي مسحها المعنون «تنظيم ذكي، أعمال قوية» رأت حكومات 72% من الدول ومنظمات الأعمال في 90% منها أن التنظيم والبيروقراطية مفرطان. وفي أكثر من ثلاثة أرباع الدول ترى منظمات الأعمال أن الامتثال الكامل مكلف أكثر مما يجب. ولهذا تبنّى بيان رئاسة الاجتماع الوزاري للمنظمة في باريس (حزيران 2026) مبادرة «التبسيط من أجل النجاح».

الدرس للعراق مباشر: السوق السوداء للدولار هي الوجه النقدي لكلفة الامتثال. كلما طالت الإجراءات وتكررت الموافقات، كان الفارق الذي يقبل التاجر دفعه للصيرفة أكبر.

وفي حماية الأسر من صدمات الأسعار، تلخّص المنظمة تجارب أعضائها في موجز نيسان 2026 عن صدمة الطاقة بثلاثة دروس: استهداف الأسر الهشة والشركات القابلة للحياة، ووضع تاريخ انتهاء واضح للدعم، والحفاظ على إشارة السعر. الدعم العام غير الموجّه مكلف مالياً، خصوصاً إذا طال.

والصدمة ليست عراقية وحدها. تتوقع المنظمة في تقريرها المرحلي لأيلول 2026 نمواً عالمياً بـ 2.9% في 2026، وتراجع تضخم مجموعة العشرين من 4.1% في 2026 إلى 3.6% في 2027، أي أن ضغط الأسعار المستورد باقٍ سنة أخرى في الأقل. وفي تشرين الأول 2026 توقّع صندوق النقد الدولي انكماشاً برقم مزدوج لاقتصاد العراق في 2026 ثم تعافياً مماثلاً في 2027.

أما لماذا ينجح الإصلاح في بلد ويتعثر في آخر، فذلك سؤال أجاب عنه دارون عجم أوغلو وزميلاه، الحائزون على نوبل للاقتصاد 2024. مثالهم الأشهر مدينة نوغاليس المقسومة بسياج بين أريزونا الأمريكية وسونورا المكسيكية: الناس والجغرافيا واحدة، والفارق في المؤسسات. وخلاصتهم أن الفارق الحاسم ليس الجغرافيا ولا الثقافة بل المؤسسات.

قراءة الشركات الاستشارية

يرصد تقرير PwC «المشهد الاقتصادي في الشرق الأوسط» (أيار 2026) كيف تعاملت دول الخليج مع صدمة هرمز. انخفض إنتاج سبع دول من «أوبك+» المطلة على المضيق إلى 14.6 مليون برميل يومياً في نيسان، أي أقل بنحو 40% من مستوى شباط. لكن اللافت هو سرعة الاستجابة المالية.

خفّضت البنوك المركزية في البحرين وقطر متطلبات الاحتياطي الإلزامي، وخفّفت البحرين والكويت نسبة تغطية السيولة من 100% إلى 80%، ووقّعت الإمارات والبحرين اتفاق مبادلة عملات بـ 5.4 مليار دولار. ومن أولويات الشركات الخمس التي يوصي بها التقرير «حماية السيولة النقدية».

ويبرز التقرير أيضاً أن خط حبشان–الفجيرة (380 كم) أبقى جزءاً من الصادرات الإماراتية خارج المضيق. المقارنة مع العراق مؤلمة: حوالة المستورد العراقي تبقى مجمّدة أسابيع، أي أن سيولة القطاع الخاص تُستنزف بدل أن تُحمى، ومنفذ جيهان البديل لم يبلغ بعدُ 500 ألف برميل يومياً إلا بنقل نفط البصرة بالشاحنات شمالاً.

ويجري البنك المركزي العراقي برنامج إصلاح مصرفي مع شركة أوليفر وايمان، تأهّلت في مرحلته الأولى سبعة مصارف بحسب إعلان تموز 2026، ويرى اقتصاديون عراقيون أن إيقاعه بطيء قياساً بحجم الطلب.

الرؤية العراقية: أين يلتقي الجابري مع الطرح العالمي وأين يضيف

صرّح السيد خالد الجابري، رئيس مؤسسة أصول للتطوير الاقتصادي والتنمية المستدامة، بأن قرار تغيير سعر الصرف «اضطراري، لا هو سياسي ولا هو اقتصادي»، لأن الاقتصاد يعاني خللاً هيكلياً بلا رافعات مالية. ومن هذا التشخيص ينطلق في أربع نقاط تتقاطع مع الأدبيات الدولية.

الأولى: السوق السوداء وكلفة الامتثال. يرى السيد الجابري أن القيود لا توقف الناس عن الاستيراد، بل تدفعهم إلى السوق السوداء، وأن الدولار يستقر حين تصبح كلفة السوق السوداء أعلى من كلفة الامتثال. فمن يربح 15% بالطريق القانوني مقابل 8% في السوق السوداء يختار الامتثال من دون قرار. هذا هو منطق مبادرة التبسيط لدى OECD، لكن الجابري يترجمه إلى لغة سعر الصرف، وهذه إضافة عراقية خالصة.

الثانية: السرعة هي السياسة. يلفت السيد الجابري إلى أن الحوالات المتوقفة 39 إلى 45 يوماً تجبر التاجر على دفع رواتب عماله من جيبه وشراء الدولار من السوق، فيرتفع السعر. ويطالب بأن يُنجز التحويل الرسمي «بدقيقة»، وبتسريع الكمارك وبراءة الذمة الضريبية، ويلخّص: «سرعة التطبيق هي الإنجاز». وهذا يوازي درس الخليج الذي رصدته PwC: حماية سيولة الشركات أولاً.

الثالثة: الدعم الموجّه بأدوات عراقية. يقترح السيد الجابري دعماً مباشراً للأسر التي يقل دخلها عن 1.5 مليون دينار: كوبون كهرباء يُسلّم لصاحب المولدة وتعوّضه الدولة كازاً، وكوبونات غذائية بخصومات في مراكز تسوق محددة. ويصف الدعم غير المباشر بـ«المهم»: خفض الكمرك والضريبة على المواد الأساسية، مع استثناء الشركات النفطية وكبار المكلفين. يتفق هذا مع درس الاستهداف لدى OECD، ويبقى عليه أن يأخذ بدرسها الثاني: موعد انتهاء معلن.

الرابعة: الغلاء المستورد والمؤسسات. صرّح السيد الجابري بأن الغذاء عالمياً يرتفع بين 10% و15%، وأنه سيرتفع حتى لو فُتح هرمز لأن العالم يحتاج سنتين ليملأ مخازنه. واستشهد بمثال نوغاليس نفسه ليسأل: هل العلّة في الناس أم في المؤسسات التي تديرهم؟ وجوابه المؤسسات، كما عند عجم أوغلو.

ويضيف السيد الجابري بُعداً غائباً عن النقاش: «السوق شديد الحساسية للتصريحات السياسية»، ولذلك يدعو إلى حوار وطني بشأن الصدمات بدل الإعلانات المفاجئة. وعد اقتراب السعرين يصبح ذا مصداقية حين يرفقه رقم قابل للقياس، مثل مدة تنفيذ الحوالة.

من الميدان

وهذا ما جاء على لسان الضيف قتيبة زكي، المدير الأول في ديلويت الشرق الأوسط – العراق، في حلقة “السياسات الضريبية في العراق بين التعقيد والرقمنة!” من بودكاست نمو: دولتان تفرضان النسبة الضريبية نفسها، 15% مثلاً، قد تختلفان في العبء الفعلي. ففي إحداهما يتحمل المكلف كلفة المستشارين والإقرارات والانتظار، وفي الأخرى تزيلها الأنظمة الرقمية. الفكرة نفسها تنطبق على الحوالة: سعرها الحقيقي هو السعر الرسمي مضافاً إليه كلفة الانتظار.

وهذا ما جاء على لسان الضيف إسماعيل مرقة، الشريك الأول لـPwC في العراق، في حلقة “العراق غني بثرواته الطبيعيه والبشرية والتنمية تكون بجودة ادارتها!” من بودكاست نمو: المستثمر الأجنبي يسأل أولاً هل يستطيع أن يبقي أمواله بالدولار، وبأي سهولة يخرج أرباحه ويستورد مواده ويتعامل مع الكمرك. ويرى أن جدّية الحكومة في إعادة هيكلة القطاع المصرفي تخفّف مخاطر المستثمر. المستثمر والتاجر يسألان السؤال نفسه: كم يستغرق خروج الدولار ودخوله؟

التوصيات

  1. البنك المركزي: نشر مؤشر أسبوعي لمتوسط مدة تنفيذ الحوالة التجارية، مع هدف معلن (خمسة أيام عمل مثلاً) يُقاس عليه نجاح الشحنات النقدية.
  2. البنك المركزي والمصارف المؤهلة: تسريع مراحل برنامج الإصلاح المصرفي، وفتح منصة صغار التجار بتحقق مسبق من مصدر الأموال، حتى لا يبقى الصيرفي بديلهم الوحيد.
  3. هيئة الكمارك والهيئة العامة للضرائب: ربط إجازة الاستيراد وبراءة الذمة والحوالة في منظومة إلكترونية واحدة، ومراجعة الرسوم التي لا تدر إيراداً حقيقياً وتضيف كلفة امتثال.
  4. مجلس الوزراء ومجلس النواب: خفض كمركي وضريبي مؤقت لستة أشهر على سلة غذائية أساسية محددة، مع مراجعة ملزمة في نهايتها.
  5. وزارة العمل والشؤون الاجتماعية ووزارة النفط: كوبون مولدة وغذاء للأسر دون 1.5 مليون دينار شهرياً، عبر قوائم الرعاية القائمة وبتعويض أصحاب المولدات بحصص كاز، وبتاريخ انتهاء معلن.
  6. الناطقون الرسميون: استبدال الوعود العامة بلوحة شهرية من ثلاثة أرقام: مدة الحوالة، والفارق بين السعرين، وسعر سلة غذائية أساسية.

خاتمة

الشحنات النقدية تشتري وقتاً، لكنها لا تشتري الثقة. الفجوة البالغة 10.7% هي سعر البطء والتعقيد، ولن تُغلق إلا حين يصبح الطريق الرسمي أسرع وأرخص. والمؤشر الذي يستحق المتابعة خلال الشهرين القادمين ليس سعر بورصة الكفاح وحده، بل سعر كيس الطحين واشتراك المولدة.

لماذا أصول؟

مؤسسة أصول للتطوير الاقتصادي والتنمية المستدامة مؤسسة عراقية تربط البيانات بالقرار الاقتصادي. تجمع بين رصد الشارع العراقي، وقياس آراء الناس والمنشآت، ومقارنتها بأفضل التجارب الدولية، لتخرج بحلول قابلة للتنفيذ.

  • الرصد اليومي و«المرصد» الأسبوعي: متابعة ما يتداوله العراقيون في الاقتصاد والخدمات، وقرارات الحكومة، وربطها بالسياق الإقليمي والعالمي.
  • المسوح والمؤشرات: مسح آفاق الأعمال، ومؤشر عبء فجوة الخدمات، واستبيانات دورية مبنية على منهجيات المسوح الدولية المعتمدة، ومنها استبيان الدولار والأسعار المبني على مسح ميشيغان للمستهلكين.
  • المعرفة من الميدان: مكتبة مواقف اقتصادية موثّقة، وبودكاست Seed | نمو الذي يحاور قادة الشركات العراقية.
  • الورش وموجزات السياسات: ورش عمل مع المراكز البحثية والجهات المعنية، تتحول مخرجاتها إلى توصيات لصانع القرار.
  • الخدمات الاستشارية والفنية للشركات الكبرى والجهات الحكومية: دراسات وتشخيص ومقترحات إصلاح مبنية على البيانات، منها أوراق مفاهيمية للإصلاح الاقتصادي تُعدّ لصنّاع القرار.

يمكن مراجعة مخرجات المؤسسة عبر موقعها الرسمي www.ofesd.com وحساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي.

المصادر

  • OECD — Smart Regulations, Strong Business (2026) — https://doi.org/10.1787/93d38770-en
  • OECD — Energy prices are spiking again: New relief measures, old lessons (2026) — https://doi.org/10.1787/839e3ae1-en
  • OECD — Economic Outlook, Interim Report September 2026: Weathering Successive Shocks — https://doi.org/10.1787/f751d02b-en
  • OECD — Statement of the Chair, Ministerial Council Meeting (حزيران 2026)
  • The Royal Swedish Academy of Sciences — Popular information: Economic Sciences 2024 — org
  • PwC Middle East — Middle East Economy Watch (أيار 2026) — com
  • Kurdistan24 — IMF regional outlook (13 تشرين الأول 2026) — net
  • Al Jazeera — Why has Iraq devalued its currency (8 تشرين الأول 2026) — com
  • The National — Iraq’s 2027 budget draft (26 تشرين الأول 2026) — com
  • شفق نيوز — أسعار الدولار، تأخر الحوالات، حصة المسافر، صادرات جيهان، النفط وهرمز (1–2 تشرين الثاني 2026) — com
  • إذاعة الغد — حوار محمد تميم (2 تشرين الثاني 2026) — fm
  • هذا اليوم نقلاً عن شفق نيوز — أسعار الغذاء بعد رفع الصرف (8 تشرين الأول 2026) — net
Tags
Share this post:
Subscribe

Join our community and get updated every week. We have a lot more just for you! Let’s join us now