بعد فوز الديمقراطيين: هل يتراجع الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات وتعود البيئة، وما أثر ذلك على النفط؟

بعد فوز الديمقراطيين: هل يتراجع الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات وتعود البيئة، وما أثر ذلك على النفط؟

Nov 5, 2026

المقدمة: الكونغرس تغيّر، والبيت الأبيض باقٍ

انتهت الانتخابات النصفية الأمريكية في 3 تشرين الثاني 2026 بسيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ، بما لا يقل عن 54 مقعداً في الشيوخ وأغلبية مريحة في النواب. لكن الرئيس دونالد ترامب يبقى في البيت الأبيض حتى 2029، ويملك حق النقض (الفيتو).

النتيجة إذن حكومة منقسمة، لا انقلاب في السياسات. الكونغرس الجديد يستطيع التحقيق والمساءلة وتعطيل التشريعات والضغط عبر الموازنة، لكنه لا يستطيع وحده إلغاء ما بنته الإدارة. ودخل الكونغرس الجديد المشهد في لحظة حساسة: حرب مع إيران، ومضيق هرمز مضطرب، وفواتير كهرباء أمريكية ارتفعت أكثر من 10% منذ 2024.

أربعة أسئلة تهم العراق تحديداً: هل الذكاء الاصطناعي في خطر؟ هل يخفت بريق مراكز البيانات؟ هل تعود البيئة إلى الواجهة؟ وكيف ينعكس ذلك كله على سعر النفط، الذي يموّل أكثر من 90% من الموازنة العراقية؟

هل الذكاء الاصطناعي في خطر؟ لا، لكنه خرج من مرحلة الشيك المفتوح

الذكاء الاصطناعي ليس ملفاً حزبياً يُلغى بتغيّر الأغلبية، بل سباق استثماري وجيوسياسي مع الصين. الذي تغيّر هو شروط اللعبة: أكثر من نصف الناخبين في استطلاعات الخروج قالوا إن الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات كانا عاملاً رئيسياً في تصويتهم. التقنية انتقلت من صفحات التكنولوجيا إلى صندوق الاقتراع.

رد فعل الأسواق كان مؤشراً دقيقاً: تراجعت عقود الأسهم الآجلة ليلاً خشية تشديد الرقابة، ثم تعافت. السبب أن الحكومة المنقسمة تحدّ من التحولات الكبرى في الاتجاهين. ويرى مستثمرون بارزون أن الخوف من توقف شامل مبالغ فيه، لكن قيوداً إضافية قد تؤخر 10 إلى 15 غيغاواط من القدرات المخططة.

الخطر الحقيقي مالي أكثر منه سياسي. يرى السيد خالد الجابري، رئيس مؤسسة أصول للتطوير الاقتصادي والتنمية المستدامة، أن العالم مدين بنحو ثلاثة أضعاف إنتاجه، وأن الذكاء الاصطناعي التوليدي صار منذ أواخر 2022 «عامل النمو» الذي تُدار به هذه الديون، مموّلاً بالسندات على أمل عوائد مستقبلية. ومن هنا تحذيره: إذا توقف هذا النمو فسيتباطأ الاقتصاد العالمي كله، و«كل الدول معرضة»، لأنها «غلطة الشاطر بألف».

وفي الاتجاه نفسه يذهب الاقتصادي دارون عجم أوغلو، الحائز على نوبل، الذي قدّر أن مكاسب الإنتاجية الكلية من الذكاء الاصطناعي في أمريكا قد لا تتجاوز نحو 0.7% على مدى عشر سنوات. الفجوة بين حجم الإنفاق وتواضع العائد المثبت هي ما يجعل القطاع حساساً لأي رفع في الكلفة، سواء جاء من التنظيم أو الطاقة أو الفائدة.

الخلاصة: الذكاء الاصطناعي باقٍ، لكن بكلفة أعلى ورقابة أشد ووتيرة أبطأ، لا بالتوسع غير المشروط.

هل يخفت بريق مراكز البيانات؟ لا يخفت، بل يبحث عن عنوان جديد

مراكز البيانات كانت الخاسر الأوضح في هذه الانتخابات. في أوهايو وحدها ارتفعت فواتير المنازل أكثر من 20% في عامين، وأكثر من 60% من زيادة كلفة السعة في أكبر شبكة شرقية تُنسب لطلب مراكز البيانات. ورفع هذا الطلب أسعار الكهرباء بالجملة نحو 6.9% وطنياً، وحتى 15% في مناطق التركّز.

الناخب ربط بين فاتورته والمركز المجاور. أكثر من 570 قيداً محلياً في 46 ولاية، وأكثر من 45 مشروعاً تعطّل في النصف الثاني من 2026 بسبب المعارضة المحلية. وفي تكساس فازت بالحكم مرشحة تعهّدت بتجميد بناء المراكز الجديدة حتى وضع ضمانات للمياه والكهرباء.

لكن الطلب العالمي لم يتغيّر. استهلاك مراكز البيانات بلغ نحو 415 تيراواط/ساعة في 2024 (1.5% من كهرباء العالم)، ويُتوقع أن يصل إلى نحو 945 تيراواط/ساعة في 2030، أي ما يعادل استهلاك اليابان. وتقدّر الاستثمارات اللازمة لمراكز البيانات حتى 2030 بنحو 6.7 تريليون دولار، منها 5.2 تريليون للذكاء الاصطناعي، ونحو ربعها يذهب إلى موردي الطاقة. مع التنبيه إلى غموض كبير في الطلب المستقبلي، إذ يتراوح التقدير بين 3.7 و7.9 تريليون.

ما يحدث إذن هو إعادة توزيع جغرافي. الاستثمار سيبحث عن أماكن تتوفر فيها طاقة رخيصة وأرض وتبريد وقبول محلي. حتى إيلون ماسك علّق ساخراً بأن «مراكز البيانات في الفضاء» بدت جذابة الآن. والفضاء الأقرب من ذلك هو الخليج والشرق الأوسط.

وهنا يلتقي الطرح العالمي مع رؤية الجابري. فقد صرّح بأن الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى التبريد بالمياه وإلى قدرة كهربائية هائلة، وأن ما يحتاجه العراق (60 إلى 65 ألف ميغاواط) يصبح رقماً صغيراً أمام حاجة مراكز الذكاء الاصطناعي، التي تعادل 50 إلى 70 ضعف توليد العراق. ولذلك يشدد الجابري على أن العراق يجب ألا يقدّم نفسه «فرصة استثمارية»، بل «شريكاً» في أجندة الاقتصاد العالمي الجديدة.

هل تعود ملفات البيئة إلى الواجهة؟ نعم، لكن من باب الفاتورة لا من باب المناخ

البيئة ستعود، لكن بلغة مختلفة. الناخب الأمريكي لم يصوّت لأجل الانبعاثات، بل لأجل فاتورة الكهرباء وسعر الوقود وماء منطقته. ولذلك ستظهر الملفات البيئية بوصفها قضايا «كلفة معيشة»: من يدفع كلفة توسيع الشبكات؟ من يتحمل استهلاك المياه في التبريد؟ وهل تدفع شركات التكنولوجيا حصتها العادلة؟

حدود التغيير واضحة. الكونغرس لا يستطيع تمرير تشريع مناخي كبير أمام الفيتو الرئاسي. لكنه يستطيع استخدام الموازنة وجلسات الاستماع لإبطاء التراجع عن اللوائح، والولايات والمدن ستمضي في شروطها المحلية على المراكز الجديدة. المتوقع إذن ضغط تنظيمي متدرج، لا عودة شاملة إلى أجندة المناخ.

أما لمنطقتنا فالملف البيئي ليس خياراً سياسياً. التقديرات الدولية تشير إلى أن أجزاء من الشرق الأوسط قد تخسر 15 إلى 20% من ناتج الفرد بنهاية القرن حتى مع السياسات الحالية. والعراق في قلب هذه المنطقة: حرارة، وشح مياه، وشبكة كهرباء تنهار في الصيف. التكيّف هنا ضرورة اقتصادية، بمعزل عمن يحكم واشنطن.

هل يساهم كل ذلك في سعر النفط؟ نعم، لكن القناة الأقوى هي إيران لا الذكاء الاصطناعي

في اليوم التالي للانتخابات هبط برنت نحو 8.5% إلى نحو 95 دولاراً للبرميل، والخام الأمريكي إلى نحو 89 دولاراً، بخسارة تجاوزت 15% خلال الأسبوع. وكان برنت قد تأرجح بين 70 و120 دولاراً منذ بدء الحرب. السوق قرأت النتيجة رسالة ضغط للتهدئة، بعد أن اعترف الرئيس ونائبه بأن حرب إيران وأسعار الوقود كلّفت الجمهوريين مقاعدهم.

القنوات الأربع متفاوتة الوزن:

القناة الاتجاه على النفط المدى الوزن
التهدئة مع إيران وهرمز خفض علاوة المخاطر أسابيع إلى أشهر الأكبر
تباطؤ استثمارات الذكاء الاصطناعي نمو عالمي أبطأ = طلب أقل سنة إلى سنتين متوسط
طاقة مراكز البيانات أغلبها غاز وكهرباء لا نفط متوسط ضعيف على النفط، أقوى على الغاز
البيئة والتحول الطاقي طلب أقل على المدى البعيد سنوات محدود في ظل الفيتو

الاستنتاج الاقتصادي: ما يخفض النفط اليوم هو تراجع المخاطر الجيوسياسية، وما قد يخفضه غداً هو تباطؤ النمو إذا تعثّرت موجة الذكاء الاصطناعي. في المقابل، أي تصعيد جديد في هرمز يعيد السعر صعوداً خلال أيام، لأن المخزونات استُنزفت.

ويقرأ الجابري العلاقة بالاتجاه المعاكس أيضاً: الطاقة هي «الحافز الأول» لنمو الذكاء الاصطناعي، وأي تعثر في إمداداتها يرفع كلفة وحداته وينعكس سلباً عليه. ولذلك لا يعوّل على الذكاء الاصطناعي وحده محركاً للنمو العالمي. ويسمي هرمز «مضيق الطاقة والغذاء»، محذراً من أن «كل البلدان ذات الاقتصادات الهشة والريعية هي أول ضحايا» هذه التقلبات، لأنها بلا مصدات للصدمة.

الرؤية العراقية: النفط الأرخص خبر سيئ للموازنة وفرصة للاقتصاد

العراق يقف على الجانبين من المعادلة. التهدئة تفتح مضيق هرمز أمام صادراته، لكنها تسحب من الموازنة علاوة السعر التي موّلت جزءاً من العجز. والمشكلة ليست في السعر بل في الانكشاف عليه: اقتصاد ريعي بلا مصدّات، كما يصفه الجابري.

أما الفرصة فهي في أن مراكز البيانات تبحث عن مواطن جديدة ذات طاقة وفيرة. ويرى الجابري أن تسعير استخدام الذكاء الاصطناعي بالوحدات يجعل بناء محطات الكهرباء استثماراً مربحاً للقطاع الخاص، لا عبئاً على الدولة وحدها. ويبقى شرط المياه حاسماً: مع الشح الحالي، لا يُقبل مركز يستهلك مياه الشرب للتبريد.

التوصيات

  1. وزارة المالية: اختبار موازنة 2027 على سيناريوهات 80 و70 و60 دولاراً للبرميل قبل إقرارها، ونشر أثر كل دولار على العجز، وربط أي إنفاق إضافي بسعر متحفظ.
  2. مجلس الوزراء وهيئة الاستثمار: إطار تنظيمي لمراكز البيانات يشترط توليداً ذاتياً للكهرباء خارج الشبكة الوطنية، حتى لا يتكرر ما رأيناه في فواتير الأمريكيين.
  3. وزارتا النفط والكهرباء: تقديم الغاز المصاحب المحروق وقوداً لهذه المشاريع ضمن شراكات مع القطاع الخاص، فيتحول الهدر إلى ميزة تنافسية.
  4. وزارة الموارد المائية: شرط التبريد بالدورة المغلقة أو بالمياه غير الصالحة للشرب، مع عدادات وتسعير شفاف.
  5. الحكومة في ملفها الخارجي: تقديم العراق شريكاً في أمن الطاقة وسلاسل التوريد (الطاقة وطريق التنمية)، لا سوقاً لبيع النفط فقط، والتواصل مع الكونغرس الجديد مبكراً.

الخاتمة

الانتخابات لم تقتل الذكاء الاصطناعي ولم تُعد أجندة المناخ كاملة، لكنها أعادت تسعير المخاطر: كلفة أعلى للتقنية، وعلاوة أقل على النفط. العراق الذي ينتظر سعر البرميل سيخسر في الحالتين، والعراق الذي يبيع الطاقة والموقع والشراكة يربح في الحالتين.

لماذا أصول؟

مؤسسة أصول للتطوير الاقتصادي والتنمية المستدامة جسر بين الدليل العالمي والقرار العراقي. ترصد الاقتصاد العراقي يومياً، وتجري استبيانات ميدانية على الأسر والشركات، وتصوغ موجزات سياسات بمنهجية دولية. وتنظّم ورش عمل تجمع المشرّع والمسؤول التنفيذي والقطاع الخاص، وتقدّم المشورة في الإصلاح الضريبي وبيئة الأعمال والتشريعات الاقتصادية. هدفها أن يُبنى كل قرار اقتصادي على رقم موثق وتجربة مجربة.

 

المصادر

  • CBS News، متابعة نتائج الانتخابات النصفية 2026 — https://www.cbsnews.com/live-updates/election-day-2026-midterms/
  • The National، «Brent oil slides to $94 on Iran uncertainty after US midterms»، 4/11/2026 — https://www.thenationalnews.com/business/energy/2026/11/04/brent-oil-slides-to-94-on-iran-uncertainty-after-us-midterms/
  • Transport Topics، «Oil prices and midterm results»، 2026 — https://www.ttnews.com/articles/oil-prices-midterm-results
  • Euronews، «Backlash to AI data centres reaches ballot boxes»، 4/11/2026 — https://www.euronews.com/2026/11/04/us-midterm-elections-backlash-to-ai-data-centres-reaches-ballot-boxes
  • Fox Business، «Democrats’ midterm sweep raises questions for stocks, AI investment»، 2026 — https://www.foxbusiness.com/politics/business-leaders-investors-weigh-impact-democrats-midterm-sweep-markets-ai-travel
  • Forbes، «Data centers are key issue in midterm battleground states»، 2/11/2026 — https://www.forbes.com/sites/maryroeloffs/2026/11/02/data-centers-are-key-issue-in-midterm-battleground-states-as-household-electric-rates-soar/
  • وكالة الطاقة الدولية، Energy and AI، 2025 (عبر Scientific American) — https://scientificamerican.com/article/ai-will-drive-doubling-of-data-center-energy-demand-by-2030
  • McKinsey، The cost of compute: a $7 trillion race to scale data centers، 2025 — https://www.mckinsey.com/industries/technology-media-and-telecommunications/our-insights/the-cost-of-compute-a-7-trillion-dollar-race-to-scale-data-centers
  • Daron Acemoglu، The Simple Macroeconomics of AI، NBER Working Paper 32487، 2024 — https://www.nber.org/papers/w32487
  • OECD، OECD-CASGEM: the macroeconomic cost of climate change، Economics Department Working Paper No. 1875،
Tags
Share this post:
Subscribe

Join our community and get updated every week. We have a lot more just for you! Let’s join us now