مقدمة
يدخل العراق أسبوع التصويت على موازنة 2027 بمسودة تنفق نحو 217.2 تريليون دينار وتتوقع إيرادات بنحو 174.2 تريليوناً. العجز المخطط يقارب 43 تريليون دينار، أي نحو خُمس الإنفاق. وبحسب مصدر حكومي، يعقد مجلس الوزراء جلسة استثنائية يوم السبت 7 تشرين الثاني 2026 للتصويت عليها قبل إحالتها إلى مجلس النواب.
تذهب أكثر من 101 تريليون دينار من المسودة إلى الرواتب والرعاية الاجتماعية. وفي النصف الأول من 2026 استهلك هذا البند 44.6 تريليون دينار، أي 82% من الإنفاق الاتحادي. ويراقب الشارع المسودة من زاويتين: تأخر تمويل رواتب أيلول وتشرين الأول لنقص السيولة، وبنود جبائية جديدة على المطاعم والفنادق والنشاط المنزلي والرقمي.
التشخيص: موازنة على افتراضين هشّين
تفترض المسودة تصدير 4 ملايين برميل يومياً بسعر 58 دولاراً للبرميل، وسعر صرف 1500 دينار للدولار. لكن الصادرات الفعلية بلغت نحو 3.4 مليون برميل يومياً في تشرين الأول 2026، صعوداً من 3.1 مليون في أيلول. أي أن المسودة تبني على كمية تزيد نحو 0.6 مليون برميل يومياً على المتحقق.
والسعر يبدو مريحاً، إذ اقترب برنت من 99 دولاراً يوم 6 تشرين الثاني. لكن الخام البصري المتوسط بيع لحمولات تشرين الأول بخصم 34.5 دولاراً للبرميل بسبب مخاطر هرمز وكلفة الشحن والتأمين. فيهبط الصافي، تقديراً، إلى نحو 65 دولاراً، وأي تهدئة في المضيق تخفض برنت والخصم معاً.
قناة الانتقال مباشرة. النفط يشكّل نحو 83% من إيرادات المسودة، فأي نقص في الكمية أو السعر يتحول إلى فجوة سيولة، ثم إلى تأخير الرواتب، ثم إلى طلب إضافي على الدولار في السوق السوداء. هناك يُتداول الدولار عند 168,300 دينار لكل 100 دولار، مقابل 152,000 بالسعر الرسمي.
وتقول الحكومة إنها اختارت تعديل سعر الصرف بدل ثلاثة بدائل: خفض الرواتب 35%، أو دفعها كل 45 يوماً، أو الاقتراض الخارجي. ومع ذلك بدأ المسار الثالث: صندوق النقد الدولي أعلن استعداده لبدء محادثات برنامج بطلب عراقي. ويحدد الصندوق مواطن الضعف في الاعتماد على هرمز، وضيق القاعدة غير النفطية، وضعف الجهاز المصرفي.
هنا تكمن المفاضلة الحقيقية. سدّ الفجوة بضرائب ورسوم جديدة في سوق راكدة يرفع كلفة الامتثال ويدفع النشاط الصغير إلى الظل، فيضيق الوعاء الذي يُراد توسيعه.
ماذا يقول العالم
الحالة العراقية نموذج لما يسميه الاقتصاديون «السياسة المالية المسايرة للدورة»: إنفاق يتوسع في الرخاء، ثم ضرائب وتقشف في الشدة. وجد جيفري فرانكل، الأستاذ في جامعة هارفارد، مع كارلوس فيغ وغييرمو فوليتين، أن 67 دولة نامية من 73 اتبعت إنفاقاً مسايراً للدورة بين 1960 و2009. ولم ينجُ من هذا الفخ في العقد الأخير إلا نحو ثلثها.
وكانت تشيلي النموذج الأبرز: قاعدة ميزانية هيكلية تدّخر الإيرادات الاستثنائية بدل إنفاقها، وتوقعات يضعها خبراء مستقلون لا الحكومة. والعامل الحاسم في رأي الباحثين جودة المؤسسات.
وفي تقرير «استعادة المالية العامة» لعام 2026، تلاحظ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن حكوماتها تتجنب في الغالب رفع النسب على القواعد الواسعة. بدل ذلك توسّع القاعدة، وتلغي الإعفاءات، وتحسّن الامتثال عبر إدارة ضريبية أكفأ. وتحذّر من أن الإنفاق يرتفع 0.8% من الناتج بين 2024 و2026، بينما تضيف إجراءات الإيرادات 0.3% فقط.
ويضيف تقرير المنظمة «الناس والموازنة» (2026) بُعد الثقة. فهناك فجوة ثقة مقدارها 47 نقطة مئوية بين من يشعرون أن لأمثالهم صوتاً في القرار ومن لا يشعرون، ومن يشك في عدالة العملية يقاوم الإصلاحات الصعبة. والدرس للعراق أن موازنة تُعرف أرقامها من نسخ مسربة تخسر الثقة التي تحتاجها لتمرير أي جباية.
قراءة الشركات الاستشارية
رصدت PwC في إصدار أيار 2026 من «Middle East Economy Watch» أن إنتاج الخام في الدول المطلة على هرمز، ومنها العراق، كان في نيسان أدنى بنحو 10 ملايين برميل يومياً منه في شباط، أي نحو 40%. ووصفت الأثر بأنه الأشد على العراق والكويت وقطر والبحرين لاعتمادها على المضيق في معظم صادراتها أو كلها.
واللافت في الاستجابات الخليجية التي رصدتها الشركة أنها اتجهت إلى تخفيف الأعباء لا زيادتها. فقد أجّلت دبي رسوم الفنادق والسياحة وبعض رسوم الخدمات الحكومية ثلاثة أشهر ضمن حزمة بمليار درهم. وخفّفت المصارف المركزية في البحرين والكويت وقطر والإمارات متطلبات السيولة ورأس المال. المسودة العراقية تسير في الاتجاه المعاكس.
رؤية الجابري: النشاط قبل الجباية
صرّح السيد خالد الجابري، رئيس مؤسسة أصول للتطوير الاقتصادي والتنمية المستدامة، بأن الجباية تكون على النشاط الاقتصادي، وأن الإيراد الضريبي «ناتج عرضي» لهذا النشاط تتشارك فيه الحكومة مع صاحب المشروع بجزء يسير. واستشهد بوصية الإمام علي لمالك الأشتر: «وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج». ثم لخّصها بلغة الشارع: «روح سوي نشاط اقتصادي… خراج يجيك».
وانتقد الجابري بنوداً في النسخة المسربة: ضريبة المبيعات على المطاعم والفنادق، والتحصيل من شركات التواصل والبث المباشر، وضريبة دخل إلكترونية على من يمارس نشاطاً تجارياً في منزله. ويرى أن القطاع الخاص لا يرفض الدفع، فالجميع يريد أن يدفع «ولكن بآليات معقولة، بنشاط اقتصادي معقول».
هنا يلتقي الجابري مع الطرح العالمي ويضيف إليه. فهو، مثل OECD، يقدّم توسيع الوعاء على رفع النسب. لكنه يذهب أبعد في زمن الأزمة، إذ يرى أن على وزارة المالية أن «تعوف نظرية الجباية وتروح بنظرية السياسة المالية». ويقدّر الضرائب والكمارك والرسوم مجتمعة بنحو 15 تريليون دينار في أحسن حالاتها، فالتضحية بجزء منها الآن أولى من الانزلاق إلى انكماش تضخمي يضرب الاقتصاد كله.
ويوضح الجابري الآلية بمثال صاحب المحل الصغير: إذا حُوصر بالرسوم أغلق محله، فتصبح كلفة الامتثال القانوني أعلى من كلفة اقتصاد الظل. ويؤكد: «أنا ما قلت ما تدفع»، بل يجب تقليل الرسوم وتبسيطها. وهذه هي الفكرة التي يصل إليها فرانكل من زاوية الاقتصاد الكلي: رفع الضرائب في الركود يعمّقه.
وفي تمويل العجز، ينبّه الجابري إلى نصيحة صندوق النقد بعدم تمويله بسندات قصيرة الأجل، وإلى غياب أنظمة لإدارة المال العام تعطي توقعات لسنة ولعشر سنوات: «أنظمة وليس موظف». وهي الفكرة نفسها التي جعلت تشيلي تسلّم التوقعات للجان خبراء مستقلة. ويرى أن المسألة ليست توفير دنانير، بل «توفير فرص عمل… توفير نشاط اقتصادي»، وأن «الإصلاح الاقتصادي بالعراق مو صعب» إذا فُعّلت أدوات الاقتصاد.
من الميدان
وهذا ما جاء على لسان الضيف قتيبة زكي، المدير الأول في ديلويت الشرق الأوسط – العراق، في حلقة “السياسات الضريبية في العراق بين التعقيد والرقمنة!” من بودكاست نمو: العراق يعتمد على الضرائب بنحو 9% مقابل 90% للنفط، والإصلاحات رفعت الإيراد الضريبي من 6% إلى 9%. لكنه يرى أنها كانت تحتاج إلى تطبيق على مراحل، لا بقرار بين يوم وليلة.
ويضيف الضيف قتيبة زكي أن المستثمر لا يبحث أولاً عن نسبة الضريبة بل عن «اليقين الضريبي»: ثبات التشريعات ووضوح تفسيرها، حتى يعرف كيف يحسب ضريبته في المستقبل.
التوصيات
- وزارة المالية: إعادة بناء تقديرات الإيرادات على الصادرات الفعلية والسعر البصري الصافي بعد الخصم، ونشر سيناريو منخفض مع المسودة.
- مجلس الوزراء: تجميد الضرائب الجديدة على المطاعم والنشاط المنزلي والرقمي في 2027، واستبدالها بجدول مرحلي معلن يبدأ بعد أتمتة الهيئة العامة للضرائب.
- الهيئة العامة للضرائب والبلديات: رسم واحد بباب واحد للمشاريع الصغيرة، وفاتورة إلكترونية طوعية بحوافز، لتوسيع الوعاء بدل رفع النسب.
- وزارة المالية والبنك المركزي: تمويل العجز بأدوات طويلة الأجل، وتصحيح نص إعفاء السندات ليشمل الفائدة المتولدة عنها.
- مجلس النواب: إنشاء مجلس مالي مستقل يضع افتراضات النفط والنمو ويقيّم الموازنة، على غرار لجان الخبراء في تشيلي.
- الحكومة: موعد ثابت معلن لصرف الرواتب، ونشر موازنة مبسطة للمواطن قبل التصويت.
خاتمة
لن تُسدّ فجوة الـ43 تريليوناً برسوم على مطعم أو على أسرة تبيع من بيتها، بل بنشاط يتسع فيه الوعاء تلقائياً. السؤال يوم السبت ليس كم تجبي الدولة هذا العام، بل كم نشاطاً تتركه حياً لتجبي منه غداً.
لماذا أصول؟
مؤسسة أصول للتطوير الاقتصادي والتنمية المستدامة مؤسسة عراقية تربط البيانات بالقرار الاقتصادي. تجمع بين رصد الشارع العراقي، وقياس آراء الناس والمنشآت، ومقارنتها بأفضل التجارب الدولية، لتخرج بحلول قابلة للتنفيذ.
- الرصد اليومي و«المرصد» الأسبوعي: متابعة ما يتداوله العراقيون في الاقتصاد والخدمات، وقرارات الحكومة، وربطها بالسياق الإقليمي والعالمي.
- المسوح والمؤشرات: مسح آفاق الأعمال، ومؤشر عبء فجوة الخدمات، واستبيانات دورية مبنية على منهجيات المسوح الدولية المعتمدة.
- المعرفة من الميدان: مكتبة مواقف اقتصادية موثّقة، وبودكاست Seed | نمو الذي يحاور قادة الشركات العراقية.
- الورش وموجزات السياسات: ورش عمل مع المراكز البحثية والجهات المعنية، تتحول مخرجاتها إلى توصيات لصانع القرار.
- الخدمات الاستشارية والفنية للشركات الكبرى والجهات الحكومية: دراسات وتشخيص ومقترحات إصلاح مبنية على البيانات، منها قراءات لأثر الموازنة والرسوم على النشاط الاقتصادي.
يمكن مراجعة مخرجات المؤسسة عبر موقعها الرسمي www.ofesd.com وحساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي.
المصادر
- OECD (2026)، Restoring Public Finances، https://doi.org/10.1787/fbcf9161-en
- OECD (2026)، The People and the Budget: Empowering Public Understanding of Public Finances، https://doi.org/10.1787/81674d37-en
- Frankel, J., Végh, C. & Vuletin, G. (2013)، On Graduation from Fiscal Procyclicality، Journal of Development Economics — NBER WP 17619، https://www.nber.org/papers/w17619
- PwC Middle East (2026)، Middle East Economy Watch — May 2026، https://www.pwc.com/m1/en/publications/middle-east-economy-watch/may-2026.html
- Iraq Business News (2026)، IMF to Launch Programme Discussions with Iraq، https://www.iraq-businessnews.com/2026/11/02/imf-to-launch-programme-discussions-with-iraq/
- المدى (2026)، موازنة 2027 تحت ضغط الوقت، https://almadapaper.net/459772/
- بغداد اليوم (2026)، جلسة استثنائية لحسم موازنة 2027، https://baghdadtoday.news/307063-2027.html
- شفق نيوز (2026)، Cash shortage delays Iraq’s October salary funding، https://en.hathalyoum.net/articles/303139
- Al Jazeera (2026)، Iraq devalues dinar to ease cash crunch، https://www.aljazeera.com/economy/2026/10/15/iraq-devalues-dinar-to-ease-cash-crunch-leaving-traders-in-limbo
- MUFG Research (2026)، Middle East Daily — 5 November 2026، https://www.mufgresearch.com/macro/middle-east-daily-05-november-2026/
- Shafaq News (2026)، SOMO offers up to $37 discount on Basrah crude، https://shafaq.com/en/Economy/SOMO-offers-up-to-37-discount-on-Basrah-crude
- Trading Economics (2026)، Brent crude oil، https://tradingeconomics.com/commodity/brent-crude-oil
- كلمة (2026)، أسعار صرف الدولار عند إغلاق البورصة (5 تشرين الثاني)، https://kalimaiq.com/news/details/72977
