فجوة الـ11% لا يغلقها سعر الصرف: الحوالات والثقة قبل الدينار

فجوة الـ11% لا يغلقها سعر الصرف: الحوالات والثقة قبل الدينار

Nov 1, 2026 · @Khalid

رفعت الحكومة العراقية السعر الرسمي للدولار 15% لتقريبه من السوق، فضاقت الفجوة إلى النصف لكنها لم تُغلق. الدرس: الفجوة مشكلة إجراءات وثقة أكثر منها مشكلة سعر.

المشكلة بالأرقام

في 7 تشرين الأول 2026 دخل سعر البيع الرسمي الجديد حيز التنفيذ: 1,520 ديناراً للدولار بدل 1,320. قبل القرار بأسابيع، في 19 أيلول، كان الدولار يُباع في بغداد بـ 160,250 ديناراً لكل 100 دولار، أي بعلاوة 21% فوق السعر الرسمي.

يوم التطبيق قفز سعر السوق السوداء إلى نحو 178,000 دينار. وفي 31 تشرين الأول استقر عند 168,500 للبيع مقابل 152,000 رسمياً. العلاوة اليوم نحو 11%، أي 16,500 دينار على كل 100 دولار.

التاريخ (2026) السعر الرسمي (دينار/100$) السوق السوداء في بغداد العلاوة
19 أيلول 132,000 160,250 21.4%
7 تشرين الأول 152,000 178,000 17.1%
31 تشرين الأول 152,000 168,500 10.9%

المستهلك يدفع الثمن مرتين. فقد الدينار نحو 13% من قيمته الرسمية، وما زال كثير من التجار يسعّرون على دولار السوق السوداء. ارتفع السكر 15.4% والرز 10.8% والبيض 10.7% في يوم واحد، وقدّرت نائبة ارتفاع الغذاء بنحو 30%.

التشخيص: لماذا تبقى الفجوة؟

العراق اقتصاد بمصدر واحد للعملة الصعبة هو النفط، تدخل عوائده عبر البنك المركزي ثم تُباع للسوق. ولذلك لا تنشأ الفجوة من نقص الدولار وحده، بل من ثلاث قنوات:

  1. بطء القناة الرسمية: الحوالة الخارجية تستغرق أسابيع، فيشتري التاجر المستعجل من السوق. هذه كلفة وقت تتحول إلى علاوة سعرية.
  2. الطلب الاحترازي: التعديل جاء بعد نفي متكرر في حزيران، فصار كثيرون يتوقعون خطوة ثانية ويخزّنون الدولار.
  3. الصدمة الخارجية: بلغ خام برنت نحو 117.6 دولاراً في 30 تشرين الأول بعد استهداف ناقلة في هرمز. السعر المرتفع يزيد الإيراد لكنه يذكّر بهشاشة ممر التصدير.

النتيجة اقتصاد ينكمش ويغلو في آن. يتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الناتج 16% في 2026، وعجزاً جارياً بـ 10.8% من الناتج. والمفاضلة واضحة: كل دينار تكسبه الخزينة من تحويل عوائد النفط يدفعه المستهلك في أسعار المستورد.

ماذا يقول العالم

الأسواق المزدوجة للعملة ليست تفصيلاً فنياً. في دراسة شاركت فيها كارمن راينهارت، كبيرة الاقتصاديين السابقة في البنك الدولي، كان متوسط التضخم بين 1970 و2001 أعلى ست مرات في الدول ذات الأسواق المزدوجة، ونمو دخل الفرد فيها أقل من نصف نظيراتها. ومن بين 28 دولة لديها سوق مزدوجة في 2020 لم تتجاوز إلا دولة واحدة المئين الخمسين في ضبط الفساد.

وترى الدراسة أن الخوف من موجة تضخم عند توحيد السعر مبالغ فيه عادةً لأن القفزة قصيرة الأجل، بينما تزداد كلفة التشوهات كلما طال عمر السوق السوداء. العراق سلك نصف الطريق: قرّب السعر، لكنه لم يوحّد شروط الوصول إلى الدولار.

وفي السياق العالمي، تتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في تقريرها المرحلي لأيلول 2026 نمواً عالمياً بـ 2.9%، وتضخماً في مجموعة العشرين بـ 4.1% هذا العام. وكانت المنظمة قد حذّرت في حزيران من أن الدعم العام مكلف، ودعت إلى دعم موجّه للفئات الأضعف بشروط انتهاء تلقائية حين تعود الظروف إلى طبيعتها.

ويذهب البنك الدولي في تقريره عن إصلاح الدعم (2026) أبعد: الاقتصادات الناشئة أنفقت نحو 6.9% من ناتجها على الدعم بين 2020 و2024، أكثر مما أنفقته على الصحة والتعليم معاً. وينبّه إلى أن الإعفاءات الضريبية العامة لا تصل إلى الفقراء الذين يشترون من أسواق غير رسمية، وأن التحويلات المباشرة أنجع.

أما مصر فتقدّم المثال الأقرب: انتقدت مديرة صندوق النقد الدولي في شباط 2024 تعدد أسعار الصرف فيها ودعت إلى سعر تحدده السوق، وكان التضخم حينها قرابة 20%.

قراءة الشركات الاستشارية

يرصد مرصد ديلويت لاقتصادات الشرق الأوسط (MEcon، تموز 2026) أن الصدمة إقليمية: انكمش الناتج السعودي 4.8% في الربع الثاني من 2026 بسبب تعطل صادرات النفط، وهبط مؤشر مديري المشتريات غير النفطي في الإمارات إلى 50.8 في حزيران، وتوقعت استطلاعات انكماش قطر 8.1% في 2026. الفارق أن اقتصادات الخليج دخلت الصدمة بمصدات مالية ونظم مصرفية أعمق، بينما دخلها العراق بقناة تحويل بطيئة وثقة مصرفية هشّة. المصدّات لا تُشترى في الأزمة، لكن سرعة القناة المصرفية يمكن إصلاحها خلال أسابيع.

الرؤية العراقية

يبدأ التشخيص العراقي من التسمية. صرّح السيد خالد الجابري، رئيس مؤسسة أصول للتطوير الاقتصادي والتنمية المستدامة، بأنه لا يوجد في العراق سوق موازية بل سوق سوداء، «لأن الدولار هو مصدره واحد هو النفط». هذا يتفق مع ما تقوله الأدبيات الدولية: العلاوة عرَض لخلل في القناة الرسمية، لا سوق بديلة لها مصادرها الخاصة.

ويحدد الجابري موضع الخلل بدقة. فالتاجر الذي تتأخر حوالته شهرين «ينطي رواتب العمال من جيبه»، ثم يشتري الدولار من السوق فيرتفع السعر. ولذلك يرى أن المعيار ليس الإعلان عن الإجراء، بل زمن تنفيذه: «سرعة التطبيق هي الإنجاز». ويمدّ المبدأ نفسه إلى الكمارك وبراءة الذمة الضريبية، وإلا اتسعت السوق السوداء.

وفي الحماية الاجتماعية يلتقي الجابري مع OECD والبنك الدولي في الاستهداف. يرى أن هناك «طبقة من المجتمع عاجزة» يجب دعمها أياً كان السعر، ويقترح بطاقة كوبونات: كوبون كهرباء يُسلَّم لصاحب مولدة الحي وتعوّضه الدولة بالكاز، وكوبون غذاء بخصومات في مراكز تسوق محددة. هذه أداة تدعم الناس لا الأسعار، وهو بالضبط ما يوصي به البنك الدولي.

لكن الجابري يضيف خصوصية عراقية. فهو يصف الدعم غير المباشر بأنه «هذا المهم»: خفض القيمة الكمركية للمواد الأساسية بقرار حكومي، وإعفاء ضريبي يقره البرلمان. في اقتصاد يستورد معظم غذائه ودوائه، تصل كلفة الكمرك إلى كل أسرة. وقد تحركت الحكومة جزئياً في هذا الاتجاه حين أعفت الغذاء والدواء المستوردين من الرسوم الكمركية في 13 تشرين الأول.

وينبّه الجابري إلى أن «سرعة انتشار التضخم أخطر من التضخم». فالتاجر الذي ارتفعت كلفته ولا يستطيع رفع سعره يأكل من هامشه حتى يخرج من السوق، فيتحول الغلاء إلى بطالة. وهنا يختلف عن الرأي القائل إن التخفيض يدعم الإنتاج المحلي، إذ يقول إن إضعاف العملة دون منتج يُباع بالعملة الصعبة «حسوي هلاك للناس»، و«لازم عندك منتج تبيعه».

ومن هنا ينقل النقاش من الرقم إلى البيئة: من يريد فتح مصنع يجب أن تكون «الإجازة 72 ساعة بإيده». وسبق أن صرّح بأن الحلول الترقيعية مثل تغيير سعر الصرف تؤجّل الأزمات ولا تحلها، وأن الرافعة المالية «تحريك ذكي للأصول والسيولة نحو أهداف إنتاجية وتشغيلية».

من الميدان

الفجوة في أساسها سؤال يقين. وهذا ما جاء على لسان الضيف قتيبة زكي، المدير الأول في ديلويت الشرق الأوسط – العراق، في حلقة “السياسات الضريبية في العراق بين التعقيد والرقمنة!” من بودكاست نمو: العلاقة بين المستثمر والجهات الحكومية يجب أن تقوم على الثقة والثبات وعدم المفاجأة، لأن «رؤوس الأموال تخاف من المجهول». حديثه عن الضريبة، لكن المنطق نفسه يحكم الدولار: من يخشى قراراً مفاجئاً آخر يخزّن العملة الصعبة تحوّطاً.

التوصيات

  1. البنك المركزي العراقي: التزام معلن بزمن أقصى لإنجاز الحوالة الرسمية، مع نشر أسبوعي لمتوسط الأيام الفعلية وللعلاوة بين السعرين. الأداة: لوحة بيانات علنية على موقع البنك.
  2. الهيئة العامة للكمارك والهيئة العامة للضرائب: مسار سريع لبراءة الذمة والتخليص للمستوردين المسجلين على المنصة. الأداة: ربط إلكتروني بين المنصة والمنافذ.
  3. مجلس الوزراء ووزارة التخطيط: بطاقة دعم موجّهة للأسر الهشة (كهرباء المولدة والغذاء) بمدة سريان محددة ومراجعة بعد ستة أشهر. الأداة: قاعدة بيانات البطاقة التموينية مع معيار دخل.
  4. مجلس الوزراء ومجلس النواب: تثبيت الإعفاء الكمركي للمواد الأساسية والدواء لسنة معلنة، لا تأجيلاً مفتوحاً. الأداة: قرار بجدول سلع وتاريخ انتهاء.
  5. الحكومة مع المراكز البحثية: تشاور مسبق قبل أي قرار نقدي أو ضريبي في موازنة 2027، لأن المفاجأة هي ما يغذي الطلب الاحترازي. الأداة: ورقة بيضاء علنية للنقاش.

خاتمة

رفع السعر الرسمي أغلق نصف الفجوة دفعة واحدة. النصف الآخر لا يُغلق بالسعر، بل بسرعة الحوالة وثبات القرار وحماية من لا يملك هامشاً. والمؤشر الذي يستحق المتابعة أسبوعياً هو عدد أيام الحوالة، لا سعر البورصة وحده.

لماذا أصول؟

مؤسسة أصول للتطوير الاقتصادي والتنمية المستدامة مؤسسة عراقية تربط البيانات بالقرار الاقتصادي. تجمع بين رصد الشارع العراقي، وقياس آراء الناس والمنشآت، ومقارنتها بأفضل التجارب الدولية، لتخرج بحلول قابلة للتنفيذ.

  • الرصد اليومي و«المرصد» الأسبوعي: متابعة ما يتداوله العراقيون في الاقتصاد والخدمات، وقرارات الحكومة، وربطها بالسياق الإقليمي والعالمي.
  • المسوح والمؤشرات: مسح آفاق الأعمال، ومؤشر عبء فجوة الخدمات، واستبيانات دورية مبنية على منهجيات المسوح الدولية المعتمدة.
  • المعرفة من الميدان: مكتبة مواقف اقتصادية موثّقة، وبودكاست Seed | نمو الذي يحاور قادة الشركات العراقية.
  • الورش وموجزات السياسات: ورش عمل مع المراكز البحثية والجهات المعنية، تتحول مخرجاتها إلى توصيات لصانع القرار.
  • الخدمات الاستشارية والفنية للشركات الكبرى والجهات الحكومية: دراسات وتشخيص ومقترحات إصلاح مبنية على البيانات، ومنها استبيان الدولار والسوق السوداء الذي يقيس ما يدفعه الناس فعلاً.

يمكن مراجعة مخرجات المؤسسة عبر موقعها الرسمي www.ofesd.com وحساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي.

المصادر

  • 964، «بورصات العراق تسجل 168 ألفاً»، 2026 — رابط
  • 964، «النفط يقفز فوق 117 دولاراً»، 2026 — رابط
  • الجزيرة نت، «بعد خفض الدينار العراقي.. مخاوف الغلاء»، 2026 — رابط
  • المستقلة، «الدولار يقفز إلى 178 ألفاً»، 2026 — رابط
  • Banker News، «المركزي يحسم الجدل ويكشف سبب ارتفاع سعر الصرف»، 2026 — رابط
  • 1news، «من الدولار إلى مائدة العراقيين»، 2026 — رابط
  • هذا اليوم، «برلمانية: الأسعار ارتفعت 30%»، 2026 — رابط
  • هذا اليوم/شفق نيوز، «صندوق النقد يتوقع انكماش اقتصاد العراق 16% في 2026»، 2026 — رابط
  • HortiDaily، «Iraq eases vegetable import restrictions following currency devaluation»، 2026 — رابط
  • OECD، Economic Outlook, Interim Report September 2026: Weathering Successive Shocks، 2026 — DOI
  • OECD، Economic Outlook, Volume 2026 Issue 1: Under Pressure، 2026 — DOI
  • البنك الدولي، Hooked on Subsidies: The Case for Reform، 2026
  • Farah Yacoub, Hamadeh & Reinhart، «The pitfalls of parallel currency markets»، World Bank blog، 2022 — رابط
  • Deloitte، Middle East Economic Monitor (MEcon), July 2026، 2026 — رابط
  • Egyptian Streets، «IMF Chief: Multiple Exchange Rates in Egypt are Disastrous»، 2024 — رابط
Tags
Share this post:
Subscribe

Join our community and get updated every week. We have a lot more just for you! Let’s join us now