الحكومة المتحررة من الجمود: كيف يستعيد العراق ثقة مواطنيه بتبسيط الدولة؟
Oct 30, 2026 · @Khalid
دولة كبيرة الحجم، ضعيفة الثقة
الثقة بالحكومة لا تُشترى بالرواتب، بل تُبنى حين يشعر المواطن أن صوته يغيّر القرار، وأن المعاملة تُنجز في يوم لا في سنة. وهذا ما يفتقده العراق اليوم.
في مسح الباروميتر العربي لصيف 2024 قال 34% فقط من العراقيين إنهم يثقون بالحكومة، و21% بالبرلمان، و36% راضون عن الخدمات الصحية (Arab Barometer). وهذا رغم تحسّن ملحوظ عن 2022.
في المقابل تضخّم جهاز الدولة. فبحسب أرقام قوانين الموازنة التي جمعها مركز رووداو للدراسات، بلغ عدد الموظفين الحكوميين نحو 4.07 مليون مقابل 3.03 مليون في 2015، وتجاوز الإنفاق على الرواتب 60 تريليون دينار في 2024 (Rudaw Research Center).
المعادلة إذن مقلوبة: موظفون أكثر، وثقة أقل، ومعاملات أطول. فتح مصنع في العراق يحتاج نحو سنتين، والإجازة الاستثمارية قد تمتد أربع سنوات. والسؤال الذي يطرحه تقرير جديد لمنظمة OECD هو: كيف تتحرر الدولة من هذا الجمود؟
التشخيص: ثلاث حلقات تغذّي الجمود
الجمود الحكومي في العراق ليس نقصاً في القوانين بقدر ما هو حلقة مغلقة من ثلاث حلقات يغذّي بعضها بعضاً.
الحلقة الأولى: إجراءات بلا سند قانوني. جزء كبير من عبء المعاملات لا تفرضه القوانين، بل يفرضه «السياق» الإداري المتراكم. وهذا ما تسميه OECD «الشريط البيج» (beige tape)، أي العبء الذي تفرضه الحكومة على نفسها بقواعد داخلية تتراكم كلفتها.
الحلقة الثانية: فجوة بين القرار والتطبيق. القوانين جيدة على الورق، لكن المواطن يرى شيئاً آخر في الدائرة. وكل قرار لا ينفَّذ كما أُعلن يسحب من رصيد الثقة، فيتردد المستثمر ويلجأ المواطن إلى الوساطة بدل النظام.
الحلقة الثالثة: قرار يُتخذ دون من يتأثر به. حين تصدر القرارات دون استشارة المختصين والقطاعات المعنية، تظهر آثارها الجانبية بعد التطبيق، فتُعدّل أو تُلغى. وهذا التقلب نفسه يصبح مصدراً جديداً لعدم اليقين.
الكلفة الاقتصادية مباشرة. فالوقت الضائع في المراجعات يرفع كلفة الامتثال، والإجازات الطويلة تؤخر الاستثمار والتشغيل، والمعاملات الورقية توسّع مساحة الفساد. والنتيجة قطاع خاص لا ينمو، فيتجه الشباب إلى الوظيفة الحكومية، فيتضخم الجهاز أكثر.
ماذا يقول العالم: الثقة تبدأ من «الصوت»
يصف تقرير OECD «الحكومة المتحررة من الجمود» (Government Unstuck, 2026) حكومات كثيرة بأنها «عالقة»: العالم يتغير أسرع من مؤسساتها، والمواطنون يلاحظون الفجوة. ويردّ انخفاض الثقة إلى سببين: شعور الناس بأنهم بلا تأثير في القرار، وضعف ثقتهم بقدرة الحكومة على معالجة المشكلات المعقدة (OECD, Government Unstuck، ص 9).
والأرقام في التقرير لافتة:
- الفرق في الثقة بالحكومة بين من يشعرون أن لهم صوتاً ومن لا يشعرون يبلغ 47 نقطة مئوية، وهو من أقوى محددات الثقة (ص 22).
- 39% فقط يرون أن المشاركة في استشارة عامة تؤثر في قرارات الحكومة (ص 22).
- نصف موظفي الخدمة العامة يقولون إن القواعد والإجراءات تعرقل عملهم، ومسؤولو 72% من الدول يرون التنظيم والبيروقراطية مفرطين (ص 13).
- أغلب الدول تبنّت مبدأ «المرة الواحدة» (ألا يُطلب من المواطن مستند تملكه الدولة)، لكن قلة حوّلته إلى واقع (ص 14).
ويضع التقرير أربعة أهداف: علاقة متجددة يؤثر فيها المواطن في القرار بين الانتخابات، وحكومة وتنظيمات مبسّطة جذرياً، واستعادة الحيز في المالية العامة، وحكومة استباقية تستخدم البيانات (ص 9). ويقترح أدوات محددة، منها شروط انتهاء تُجبر على مراجعة القواعد دورياً، لأن 54% من الدول تذكر المقاومة الداخلية وتجنّب المخاطرة عائقاً أمام التبسيط (ص 31).
ويرى التقرير فرصة نادرة الآن: الذكاء الاصطناعي يتيح أتمتة المهام الروتينية وكشف القواعد المتداخلة، لكن 18% فقط من الدول تستخدم هذه الأدوات بشكل منهجي (ص 28).
ومن الاقتصاديين البارزين، وصف لانت بريتشيت ومات أندروز من جامعة هارفارد ومايكل وولكوك من البنك الدولي هذه الظاهرة بـ«المحاكاة الشكلية» (isomorphic mimicry). فالدول تستورد أشكال الإصلاح من قوانين وهياكل، بينما يبقى العمل الفعلي على حاله، فتقع في «فخ القدرات» (Harvard CID, 2012). والمخرج عندهم هو الانطلاق من مشكلات محلية محددة، والتجريب المتدرج مع تغذية راجعة سريعة، وإشراك أصحاب المصلحة.
قراءة الشركات الاستشارية: من الإصلاح كحدث إلى التكيّف كنظام
تصل ديلويت إلى النتيجة نفسها من زاوية التشغيل. فتقريرها «اتجاهات الحكومة 2026»، المنشور ضمن أبحاثها للشرق الأوسط، يقول إن الحكومات تُعاد هندستها ولا تُحدَّث فقط: الانتقال من «الإصلاح كحدث» إلى «التكيّف كنظام»، ومن برامج منعزلة إلى منصات مشتركة (Deloitte, Government Trends 2026).
ومن الاتجاهات الثمانية التي يرصدها التقرير ثلاثة تمس العراق مباشرة:
- إعادة توصيل التنظيم: من كتب قواعد ثابتة إلى رقابة مرنة قائمة على البيانات.
- إعادة ضبط المشتريات الحكومية: تصميمها بمبدأ «البساطة أولاً».
- خدمات مصمّمة للمواطن: باستخدام الذكاء الاصطناعي لتقديم خدمة أكثر استجابة.
الرسالة المشتركة بين OECD وديلويت واضحة: التبسيط ليس حملة تُنجز مرة، بل نظام دائم للمراجعة والقياس. والرقمنة فوق إجراءات معقّدة لا تنتج إلا بيروقراطية رقمية.
الرؤية العراقية: المشكلة في التطبيق لا في النص
يرى السيد خالد الجابري، رئيس مؤسسة أصول للتطوير الاقتصادي والتنمية المستدامة، أن مؤشر الثقة في العراق «متدنٍّ جداً»، لأن معظم القرارات حين تنزل إلى التطبيق يختلف تطبيقها كثيراً عن القرار نفسه. ومعه ينزل مؤشر ثقة الأعمال. ويضرب مثلاً: لا يمكن جذب مستثمر تستغرق إجازته سنتين أو ثلاثاً، فهذه الأرقام «غير مقبولة» في عصر الذكاء الاصطناعي.
ويلتقي هذا مع ما يسميه بريتشيت «المحاكاة الشكلية». فقد صرّح الجابري بأن قانون الاستثمار «جيد» في مواده، والمشكلة في تطبيقه: النافذة الواحدة وُجدت لتقليص وقت الإجازة، لكنها تطول سنين بمراحل عدة قد يتسلل إليها الفساد. والمفروض أن تُمنح الإجازة خلال أسبوع أو أسبوعين أو شهر، ثم يُطالَب المستثمر بالإنجاز في المدة المعلنة.
ومواقفه تقابل أهداف OECD الأربعة واحداً بواحد:
- التبسيط الجذري = إلغاء «السياق». يرى الجابري أن «العادة البيروقراطية» إجراءات غير مستندة إلى قانون، مثل طلب بطاقة السكن لتجديد البطاقة الوطنية. وما لا يستند إلى قاعدة تشريعية يجب إلغاؤه لتخفيف العبء عن المواطن. وهذا بالضبط ما تسميه OECD «الشريط البيج».
- الصوت في القرار = دراسة قبل الإصدار. في قرار بيع العقارات عبر المصارف، لاحظ الجابري أن التسجيل العقاري نفسه لا يستغرق سوى دقائق، بينما التأخير في دوائر البلدية والضريبة، والقرار أضاف حلقة ثالثة هي المصارف رغم أن الثقة بين المواطن والنظام المصرفي «تقريباً معدومة». والقرار برأيه كان سيؤدي غرضه لو دُرس جيداً وأُخذت آراء المتخصصين والجهات القطاعية.
- الحكومة الرقمية = أتمتة الإجراء كله وتكييف القوانين. ينبّه الجابري إلى أن الأتمتة اليوم جزئية، وأن قانون التوقيع الإلكتروني لسنة 2012 يصطدم بقوانين التوثيق المحاسبي التي تشترط وصلاً محرراً يدوياً ومختوماً. ويقدّر أن المواءمة بينها تحل أكثر من 80% من المشكلة، وأن مراجعة القوانين لتلائم التحول الرقمي دور البرلمان.
- الثقة تُبنى بالتجربة. يرصد الجابري أن فرض الدفع الإلكتروني في الدوائر الضريبية ودوائر تسجيل المهن دفع القطاع الخاص إلى فتح حسابات مصرفية لتسديد الرسوم. ويصف ذلك بأنه بداية «مبشّرة» وإن لم تغطِّ كل شيء.
أين يضيف الجابري خصوصية عراقية؟ في أمرين. الأول أن العقدة العراقية قانونية قبل أن تكون تقنية: قوانين قديمة لا تعترف بالوثيقة الإلكترونية. والثاني أن التبسيط يبدأ بما لا يحتاج تشريعاً أصلاً: إلغاء ما لا سند له في القانون.
من الميدان: جدار التغيير
الخلل في الإدارة العراقية مشخَّص في تقارير كثيرة، لكن أي برنامج إصلاحي بلا عقلية تتقبل الإصلاح سيصطدم بـ«جدار التغيير». فالمشكلة ليست في قبول القوانين الجديدة، بل في التخلص من القوانين والسياقات القديمة، ومن المركزية وتداخل الصلاحيات و«الورقة والقلم». والعلاقة بين المكلّف والدولة يجب أن تكون مشاركة لا عدم ثقة.
وهذا ما جاء على لسان الضيف قتيبة زكي، المدير الأول في ديلويت الشرق الأوسط – العراق، في حلقة «السياسات الضريبية في العراق بين التعقيد والرقمنة!» من بودكاست نمو، موضحاً أنه يتحدث برأيه الشخصي. وأضاف أن الفاتورة الإلكترونية المربوطة بالمصرف والكمارك وهيئة الضرائب، كما في مصر والسعودية، هي الطريق للخروج من الاقتصاد النقدي، وأنه لا حل غير الاقتصاد الرقمي والأتمتة.
وملاحظة الضيف تؤكد ما خلص إليه بريتشيت وزملاؤه: الإصلاح لا ينجح باستيراد النصوص، بل بتغيير طريقة العمل داخل الدائرة.
التوصيات: ست خطوات لحكومة عراقية متحررة من الجمود
- جرد «السياقات» وإلغاء ما لا سند له (الأمانة العامة لمجلس الوزراء مع كل وزارة): قائمة علنية بكل مستند يُطلب من المواطن مع سنده القانوني. وما لا سند له يُلغى بقرار إداري دون انتظار تشريع.
- مبدأ «المرة الواحدة» (وزارة التخطيط والجهات المالكة للبيانات): لا تطلب دائرة مستنداً تملكه دائرة أخرى، بدءاً بالبطاقة الوطنية وبطاقة السكن والسجل العقاري.
- مواءمة القوانين مع الوثيقة الإلكترونية (مجلس النواب): تعديل موحد يعترف بالوصل والتوقيع الإلكترونيين في كل قوانين التوثيق المحاسبي القديمة، ثم أتمتة الإجراء كاملاً لا جزئياً.
- مدد قصوى ملزمة للمعاملات (هيئات الاستثمار والبلديات والضريبة): إجازة استثمارية خلال أسابيع لا سنوات، مع مؤشر منشور شهرياً لمدة الإنجاز الفعلية في كل دائرة.
- شروط انتهاء للتعليمات (مجلس الوزراء): كل تعليمات جديدة تنتهي تلقائياً بعد مدة محددة ما لم تثبت جدواها، كما توصي OECD.
- استشارة ملزمة قبل القرارات الاقتصادية (الحكومة والبنك المركزي): نشر مسودة القرار وتقييم أثره ومهلة للملاحظات من القطاع الخاص والمختصين، ثم الرد العلني على ما أُخذ وما رُفض. هكذا يشعر المواطن أن صوته يغيّر القرار.
خاتمة
العراق لا يحتاج إلى دولة أكبر، بل إلى دولة أبسط وأسرع وأكثر إصغاءً. فأربعة ملايين موظف لا تشتري الثقة، لكن معاملة تُنجز في يوم وقرار يُستشار فيه أهله تشتريها.
والفرصة متاحة: الذكاء الاصطناعي يخفض كلفة الأتمتة، والضغط المالي يجعل الكفاءة ضرورة لا خياراً. والبداية لا تحتاج قانوناً جديداً: تكفي شجاعة إلغاء ما لا سند له في القانون.
المصادر
- OECD (2026) — Government Unstuck: The Next Frontier of Government Transformation
- Arab Barometer (2024) — Amid Persistent Challenges, Iraqis Express Cautious Optimism in Latest Survey
- Rudaw Research Center (2025) — Expansion of Iraq’s public sector: how many new civil servants were appointed last year
- Matt Andrews, Lant Pritchett & Michael Woolcock, Harvard CID (2012) — Escaping Capability Traps through Problem Driven Iterative Adaptation (PDIA)
- Deloitte Middle East (2026) — Government Trends 2026: The future of government is now