المفارقة: أصول ضخمة في العالم وخسائر مزمنة في العراق
الملكية العامة ليست سبب الخسارة؛ السبب هو طريقة إدارة الدولة لما تملك. هذه هي الخلاصة التي يقود إليها وضع العراق إلى جانب أحدث تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
في أكتوبر 2026 أصدرت المنظمة تقريرها «ملكية وحوكمة المؤسسات المملوكة للدولة 2026»، ومعه أول تحليل لقاعدة بياناتها العالمية الجديدة. تغطي القاعدة 33,800 شركة حكومية بلغت أصولها 141 تريليون دولار، ويعمل فيها 43 مليون شخص في عام 2024.
في المقابل، كشف المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي عام 2021 أن 72% من 173 شركة عامة خاسرة. وقال إن نحو 400 ألف عامل فيها يتقاضون رواتب بلا عمل منتج منذ 2003. وبلغت القروض المصرفية المضمونة حكومياً لتشغيلها مع فوائدها نحو 16 تريليون دينار (العين الإخبارية).
وحتى الرابح منها لا يسلّم أرباحه. ففي تموز 2026 أظهر تقرير ديوان الرقابة المالية الاتحادي أن شركات عامة لم تدفع حصة الخزينة من أرباحها. منها شركة نفط البصرة بنحو 2 تريليون دينار، وشركة مصافي الجنوب بنحو 1.4 تريليون (AGBI).
فلماذا تكون الشركة الحكومية في بلدان أخرى مصدر ثروة، وفي العراق عبئاً على الموازنة؟
ماذا يقول العالم: المالك الجيد لا الملكية نفسها
يغطي تقرير OECD لعام 2026 ممارسات 58 اقتصاداً في ترتيبات الملكية والإفصاح ومجالس الإدارة ومكافحة الفساد (OECD). والمرجع الذي يقيس به التقرير هذه الممارسات هو «إرشادات حوكمة الشركات المملوكة للدولة»، التي راجعتها المنظمة في أيار 2024.
تضع هذه الإرشادات خمسة شروط تفصل بين الشركة الحكومية الرابحة والخاسرة (OECD Guidelines):
- مبرّر معلن للملكية: تشرح الدولة لماذا تملك كل شركة، وتراجع هذا المبرر دورياً.
- جهة ملكية واحدة منفصلة عن التنظيم: الجهة التي تملك لا تضع قواعد السوق ولا ترسم السياسة القطاعية.
- ميدان منافسة متكافئ: لا إعفاء من القوانين والضرائب، وتمويل بشروط السوق، وعائد تجاري. وما تطلبه الدولة من خدمة عامة يُموَّل منفصلاً ويُعلَن.
- مجالس إدارة بالجدارة: بأعضاء مستقلين، وبلا سياسيين يؤثرون في العمليات، وبصلاحية تعيين المدير التنفيذي وعزله.
- إفصاح بمستوى الشركات المدرجة: تدقيق خارجي مستقل سنوي، وتقرير سنوي مجمّع عن محفظة شركات الدولة.
وفي منطقتنا تحديداً، قدّرت OECD أن الشركات الحكومية تشكّل نحو نصف النشاط الاقتصادي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ورأت أن الصناديق السيادية الخليجية حسّنت حوكمة هذه الشركات، لأنها منفصلة عن الوزارات وأقل خضوعاً للقرار السياسي (Gulf News).
ويصل الاقتصاديان داغ ديتر وستيفان فولستر، مؤلفا «الثروة العامة للأمم»، إلى النتيجة نفسها. ففي مدوّنة صندوق النقد الدولي وصفا جدل «الخصخصة أم التأميم» بأنه حرب وهمية دامت ربع قرن. وقالا إن ما يصنع الفرق هو جودة إدارة الأصل، لا هوية مالكه (IMF PFM Blog).
وبصورة أوسع، منحت جائزة نوبل للاقتصاد 2024 لدارون عجم أوغلو وسايمون جونسون وجيمس روبنسون عن أبحاثهم في دور المؤسسات. وخلاصتها أن المجتمعات ذات سيادة القانون الضعيفة والمؤسسات المستغلّة لا تنمو (News24). والشركة العامة هي أوضح اختبار لهذه الفكرة: الأصل نفسه يربح أو يخسر بحسب المؤسسة التي تديره.
والتجربة الماليزية مثال تطبيقي. فبعد برنامج إصلاح الشركات الحكومية الذي بدأ عام 2004، تضاعفت قيمتها السوقية ثلاث مرات حتى 2014. واقترب العائد على حقوق ملكيتها من مستوى الشركات المدرجة. وكانت أدواته المؤشرات المالية المعلنة، وإدارات من القطاعين العام والخاص، وأكاديمية لتأهيل أعضاء المجالس (البنك الدولي).
قراءة الشركات الاستشارية: الأهداف المتضاربة والتدخل السياسي
تتفق أبحاث الشركات الاستشارية الكبرى مع OECD في التشخيص، وتضيف إليه أدوات التنفيذ.
رصدت ماكنزي أن متوسط العائد على الأصول في الشركات الحكومية الصينية كان أقل من نصف نظيره في القطاع الخاص. وردّت ذلك إلى أربعة أسباب: الحماية من المنافسة، وتضارب الأهداف، والتدخل السياسي، والترقية بالأقدمية لا بالأداء. ووصفت العلاج في ثلاث خطوات (McKinsey):
- الهدف المالي أولاً، بحد أدنى يغطي كلفة رأس المال.
- الأهداف الاجتماعية تُموَّل صراحةً من الدولة، لا من جيب الشركة.
- أجور تنافسية ومكافأة مرتبطة بالإنجاز.
ومن أمثلتها شركة بتروناس الماليزية الحكومية، التي حققت أكثر من مليار دولار من الوفورات والإيرادات الجديدة خلال خمس سنوات.
أما بي دبليو سي فتنطلق من أن الشركات الحكومية باقية في الاقتصاد، وأن السؤال هو ما القيمة العامة التي تضيفها. ولذلك تطالب لكل شركة برسالة واضحة وبطاقة أداء تقيس نتائجها (PwC). وفي تقريرها عن تحوّل حكومات الشرق الأوسط، تضع تعقيد الأطر التنظيمية وهياكل الحوكمة والتقنية المتقادمة بين أبرز العقبات (PwC Middle East).
وفي العراق نفسه بدأت التجربة من المصارف الحكومية. ففي شباط 2025 كُلّفت إي واي بتقييم شامل للمصارف الحكومية، وأوليفر وايمان بدراسة ضمن خطة إعادة الهيكلة (AGBI). وتضمّنت الخطة ما يلي:
- تأسيس «مصرف الرافدين الأول» برأس مال 500 مليار دينار يرتفع إلى تريليون، تملك الحكومة منه 24% فقط.
- تحويل المصرف الصناعي إلى شركة مساهمة خاصة مع شريك استراتيجي.
وفي كانون الثاني 2026 أُعلنت خطة لفصل مصرف الرافدين إلى كيانين بمشورة استشارية دولية (AGBI):
- مصرف سيادي لعمليات الخزينة.
- شركة مساهمة مختلطة للإقراض وتمويل التجارة.
وهذا هو المبدأ الذي تطالب به OECD: فصل الوظيفة السيادية عن النشاط التجاري.
الرؤية العراقية: «صاحب الأصل هو الذي أفشله»
ما تقوله OECD والشركات الاستشارية بلغة الإرشادات، قاله السيد خالد الجابري بلغة الواقع العراقي.
الدولة مالك أفشل أصله
صرّح السيد خالد الجابري، رئيس مؤسسة أصول للتطوير الاقتصادي والتنمية المستدامة، بأن «صاحب الأصل، اللي هو الدولة، هو فشّل الأصل». فالدولة لا تلزم شركاتها بالضريبة ولا بالكمرك، وتعوّض خسائرها، وتعيّن فيها.
وهذا هو نقيض مبدأ «الميدان المتكافئ» عند OECD حرفياً: شركة محمية من الخسارة لا تتعلم الربح.
ويرى الجابري أن المخرج هو طرح هذه الأصول للاكتتاب العام. عندها يصبح المجتمع رقيباً لأنه مساهم، يعيّن مجلس الإدارة والمدير التنفيذي ويحاسبهما. وهذا ما تطلبه OECD بنصّها: مجالس بالجدارة، ومعاملة متساوية للمساهمين.
خطأ التأسيس وكلفة 22 تريليون
ويذهب الجابري إلى جذر المشكلة. فهذه الشركات برأيه «خطأ في لحظة تأسيسها»: ربحت حين كانت احتكاراً مدعوماً لا منافس له، وخسرت حين انفتح السوق.
ويشير إلى أن الدولة أنفقت على الشركات العامة نحو 22 تريليون دينار منذ 2003. ولو باعتها بدينار واحد لبقي المبلغ في الخزينة. لكنه يؤكد أنه ضد مبدأ البيع، لأن أراضي هذه الشركات ومنشآتها «أصول 46 مليون شخص».
ما الذي يُخصخَص إذاً؟
يرى السيد الجابري أن الخصخصة الصحيحة تفصل الأملاك عن الشركة:
- الأملاك تبقى للدولة: الأراضي والمخازن والأنابيب تُؤجّر للمستثمر بربع قيمتها ولا تُباع.
- المستثمر يأخذ الترخيص والميزة التنافسية: ويملك القرار، لا الدولة.
- المباع هو حق الامتياز فقط: كما فعلت مصر ولبنان وتونس والمغرب.
ويفرّق بين هذا وبين ما جرى في الكهرباء، إذ أُسندت الجباية لشركات خاصة. فهذه عنده «جباية، مو خصخصة».
ويربط ذلك بفهم حقوق الملكية. فيرى أنه لا بد من التمييز بين «الأصل الوطني» و«الشركة التي تديره». ومثاله الصين، التي لم تخصخص شركاتها ولم تبعها، بل أدارتها بعقلية السوق المفتوحة.
وهذا يلتقي مع ما قاله ديتر وفولستر: العبرة بجودة الإدارة لا بهوية المالك. ويستحضر الجابري أيضاً مثال مدينة نوغاليس المقسومة بين الولايات المتحدة والمكسيك: الناس أنفسهم على جانبي الحدود، والفارق هو وجود «مؤسسات قوية تستطيع الإدارة». وهو المثال الذي اشتهرت به أطروحة عجم أوغلو وروبنسون الحائزة على نوبل.
المساواة مع القطاع الخاص
في مواجهة القول بأن القطاع الخاص يعتمد على الدولة، طالب الجابري بميدان متكافئ. فإما أن تُلغى امتيازات الشركات العامة في التجارة والصناعة، أو يُمنح القطاع الخاص الامتيازات نفسها. ونبّه إلى أن قانون الشركات العامة رقم 22 يمنح مزايا غير موجودة في قانون الشركات الخاصة رقم 21.
من الخصخصة المطلقة إلى تعظيم الأصول
ويرى السيد الجابري أن دول العالم كلها تعظّم أصولها وتعطي إدارتها للقطاع الخاص، وأن العالم بدأ يغادر «الخصخصة المطلقة». ويحذّر من بيع الأصول لسداد الرواتب أو الديون، لأن هذه الأصول بُنيت بأموال النفط، وهي «حقوق الأجيال».
وعن خطة إصلاح المصارف، صرّح الجابري بأن المضي في خطة أوليفر وايمان بتفاصيلها وتوقيتاتها «شيء جيد». والمصارف تصبح جيدة حين تملك حوكمة وأنظمة مصرفية إلكترونية. لكنه يشترط استراتيجية وطنية مكتوبة تحدد هوية الاقتصاد قبل أي إصلاح.
من الميدان: مقاومة التغيير وقواعد التعيين
يرى من يعملون في السوق العراقية أن العقبة ليست في غياب الخبرة العالمية، بل في الاستعداد لاستخدامها.
دول الخليج استعانت بالشركات الاستشارية الكبرى فنقلت إليها الخبرة والتقنية وساعدتها في رسم سياساتها الاقتصادية. أما في العراق فهناك مقاومة كبيرة للتغيير، وما زالت الحكومة «خجولة من التقرب» من هذه الشركات، وعملها يحتاج إلى تشريع. وهذا ما جاء على لسان الضيف قتيبة زكي، المدير الأول في ديلويت الشرق الأوسط – العراق، في حلقة «السياسات الضريبية في العراق بين التعقيد والرقمنة!» من بودكاست نمو.
ومن تجربة الشركات العائلية، وهي أقرب نموذج محلي لمشكلة المالك الذي يتدخل في الإدارة، الدرس واضح. الشركة تبقى وتنمو حين تكتب سياسات داخلية طويلة المدى. ومن هذه السياسات قواعد ثابتة لتعيين المدراء والموظفين وانتقال الأدوار، وعدم تدخل المالكين في الأدوار الرئيسية. وهذا ما جاء على لسان الضيف حيدر عبد الإله العمران، رئيس مجلس إدارة مجموعة العمران لتجارة مواد البناء، في حلقة «قطاع البناء – صرف مرتفع وجودة مفقودة ومواطنون متضررون!» من بودكاست نمو.
استبدل «العائلة» بـ«الوزارة»، تجد القاعدة نفسها التي تضعها OECD لمجالس إدارة الشركات الحكومية.
الحلول: ست خطوات من التقاطع
حين تلتقي إرشادات OECD وتجارب الشركات الاستشارية بمواقف الجابري، تتشكل خارطة طريق واضحة:
- جرد وتصنيف: مراجعة مبرر ملكية كل شركة عامة ونشره. وتصنيفها إلى ثلاث: سيادية تبقى للدولة، وتجارية تُدار بمنطق السوق، وميتة تُمنح رخصتها بالامتياز.
- فصل الأصل عن المشغّل: الأراضي والمنشآت تبقى ملكاً للدولة وتُؤجَّر، ويُباع حق الامتياز والقرار الإداري فقط.
- جهة مالكة واحدة: صندوق أو شركة قابضة مستقلة عن الوزارات القطاعية، تملك المحفظة وتنشر عنها تقريراً سنوياً مجمّعاً. وتبقى الوزارة منظّماً لا مالكاً.
- تكافؤ الفرص: توحيد المزايا بين قانون الشركات العامة رقم 22 وقانون الشركات رقم 21، ضريبةً وكمركاً وتمويلاً. وما تطلبه الدولة من دعم اجتماعي يُموَّل من الموازنة علناً، لا من ميزانية الشركة.
- مجالس بالجدارة واكتتاب عام: مجالس تضم مستقلين وتملك تعيين المدير التنفيذي وعزله. ثم طرح حصص في سوق العراق للأوراق المالية، فيصبح المواطن المساهم رقيباً.
- استشارة بتشريع لا باستحياء: تعميم نموذج إعادة هيكلة المصارف الحكومية على الشركات الصناعية والتجارية، ضمن استراتيجية وطنية مكتوبة بمؤشرات أداء معلنة.
خاتمة
السؤال الصحيح ليس «نبيع أم نحتفظ؟»، بل «من يدير، وبأي قواعد، وأمام من يُحاسَب؟».
أصول بـ141 تريليون دولار حول العالم تثبت أن الدولة تستطيع أن تكون مالكاً ناجحاً. والعراق لا ينقصه الأصل، فهو يملك أراضي ومنشآت ورخصاً هي أصول 46 مليون عراقي. الذي ينقصه هو المؤسسة التي تفصل المالك عن المدير، والمال العام عن العائد التجاري، والقرار السياسي عن مجلس الإدارة.
وحين تُبنى هذه المؤسسة، تتحول الشركات العامة من بند خسارة في الموازنة إلى مصدر إيراد غير نفطي تحتاجه الدولة اليوم أكثر من أي وقت.
المصادر
- OECD — Ownership and Governance of State-Owned Enterprises 2026
- OECD — Guidelines on Corporate Governance of State-Owned Enterprises (مراجعة 2024)
- Gulf News — Better governed state-owned enterprises to drive Gulf growth (عن تقرير OECD)
- Dag Detter & Stefan Fölster, IMF PFM Blog — Public Ownership of Commercial Assets: A Quarter Century Phony War
- News24 — Nobel economics prize goes to researchers of prosperity
- البنك الدولي — Transforming state-owned enterprises: What other countries can learn from Malaysia
- McKinsey — Improving performance at state-owned enterprises
- PwC — State-Owned Enterprises: Catalysts for public value creation?
- PwC Middle East — Transformation: A strategic necessity for Governments in the Middle East
- AGBI — Oliver Wyman joins EY in Iraq bank restructuring
- AGBI — Iraq explores overhaul of largest state-owned lender
- AGBI — Iraq finds $18bn owed to state by government-owned companies
- العين الإخبارية — اقتصاد العراق.. الشركات الحكومية تغرق في الخسائر
