موازنة تُفاوَض كل عام: لماذا يحتاج العراق عقداً مالياً بقانون قبل أي رقم

 

العراق لا يعاني من نقص الأرقام في موازنته، بل من غياب القاعدة التي تُبنى عليها الأرقام. ففي 7 تشرين الثاني 2026 تأجّل تصويت مجلس الوزراء على موازنة 2027 إلى جلسة 10 تشرين الثاني، لأن الطرفين اختلفا على فارق نسبتين: 12.67% تعرضها بغداد وـ14% يطلبها إقليم كردستان.

المقدمة: أرقام الأزمة

يدخل العراق موسم الموازنة بلا قانون موازنة لعام 2026 أصلاً، والإنفاق يجري بقاعدة الصرف الشهري 1/12. بلغ العجز في الأشهر التسعة الأولى من 2026 نحو 36.26 تريليون دينار، مقابل 8.13 تريليون في الفترة نفسها من 2025. وانخفضت الإيرادات النفطية 50.8%.

وتشير المسودة المتداولة صحفياً إلى نفقات بنحو 217 تريليون دينار وإيرادات بنحو 174 تريليوناً، أي عجز مخطط بنحو 43 تريليوناً. وهي مبنية على 58 دولاراً للبرميل وتصدير 4 ملايين برميل يومياً، بينما بلغ التصدير الفعلي نحو 3.35 مليون برميل يومياً في تشرين الأول. هذه أرقام مشروع لا قانون، ولم تُنشر وثيقتها الرسمية بعد.

والشارع يقرأ التأجيل بلغة الراتب: تأخر تمويل رواتب تشرين الأول بسبب شح السيولة قبل أن يبدأ الصرف في 25 تشرين الأول، وأودعت مالية الإقليم 834.92 مليار دينار لرواتب الشهر نفسه. ويعتمد نحو 15 مليون شخص على دخل من الخزينة، بحسب تقديرات متداولة.

التشخيص: قنوات الأثر

الخلاف على الحصة هو العرض، والسبب غياب معادلة ثابتة للتقاسم. كل موازنة تعيد فتح الملفات نفسها: النسبة، وكميات النفط المسلَّمة (450 ألف برميل يومياً هذه المرة)، وإيرادات المنافذ، والمطالبة بحصص مستقلة مثل مطالبة السليمانية.

وينتقل الأثر عبر ثلاث قنوات:

  1. الرواتب: بلا موازنة مقرة تتحول كل دفعة شهرية إلى قرار سيولة، فيتراكم القلق وتتراجع الثقة.
  2. الاستثمار العام: قاعدة 1/12 تغطي النفقات التشغيلية وحدها، كما قال عضو في اللجنة المالية النيابية، فتتوقف المشاريع وتتأخر مستحقات المقاولين.
  3. القطاع الخاص والأسعار: تأخر المستحقات يضغط الطلب، بينما ترفع كلفة الشحن وخفض الدينار أسعار الغذاء، إذ ارتفع السكر 15.4% والرز 10.8% بعد تعديل الصرف.

وفوق هذا كله صدمة خارجية. مضيق هرمز شبه مغلق منذ أواخر شباط 2026، والخام البصري يُباع بخصومات 34.5–37 دولاراً، فبيع الثقيل بنحو 53 دولاراً بينما برنت قرب 98. أي أن ارتفاع السعر العالمي لا يصل إلى الخزينة.

ماذا يقول العالم

تقول OECD في تقريرها عن الناس والموازنة (2026) إن القواعد والمؤسسات المالية الجيدة ضرورية، لكنها «لم تعد كافية» وحدها. ويرصد التقرير فجوة ثقة بـ 47 نقطة مئوية بين من يشعرون بأن لهم صوتاً في القرار ومن لا يشعرون بذلك. ومؤسسات الرقابة المالية المستقلة من أكثر الجهات ثقة لدى الناس.

وفي ورقة عمل لـOECD عن مخاطر السياسة المالية (2026)، تبيّن أن المخاطر أكبر في سنوات الازدهار مما تفترضه الطرق التقليدية. ففي ذروة الدورة يحتاج الرصيد الهيكلي أن يكون أعلى بنحو 1.5 نقطة من الناتج لتثبيت الدين خلال خمس سنوات. الدرس للعراق مباشر: ما لا يُدخَر في سنوات النفط المرتفع يُدفع ثمنه في الأزمة.

وقدّم الاقتصادي جيفري فرانكل من جامعة هارفارد تجربة تشيلي مثالاً. الدول المصدّرة للمواد الأولية تميل إلى الإنفاق في الطفرة والقطع في الأزمة، فتضخّم الدورة. أما تشيلي فتترك للجان خبراء مستقلة تحديد السعر المرجعي للنحاس والناتج الاتجاهي، فتبقى الفرضيات بعيدة عن التفاوض السياسي. ويرى فرانكل أن مؤسسات تشيلي المالية «يمكن محاكاتها بفائدة في كل مكان».

والمثال نفسه ينطبق على فرضية 58 دولاراً وأربعة ملايين برميل: رقم تضعه الحكومة وتتفاوض عليه، لا رقم تحدده جهة فنية مستقلة.

ومن جهته، قال صندوق النقد الدولي في 29 تشرين الأول 2026 إن العراق واجه قيود تمويل شديدة حتى قبل الحرب، وإن ضيق القاعدة غير النفطية يزيد الضغط على المالية العامة. وقدّم العراق طلباً لبرنامج جديد، وتشير تقارير صحفية إلى توقع الصندوق انكماشاً بنحو 16% في 2026.

قراءة الشركات الاستشارية

تقترح PwC الشرق الأوسط (2025) اختباراً بسيطاً للتنويع الحقيقي: أن يضعف الارتباط بين أسعار النفط من جهة، ونمو الناتج والإيرادات غير النفطية من جهة أخرى. وقدّرت سعر التعادل السعودي بنحو 96.2 دولاراً للبرميل، مع خفض الإنفاق الجاري وإبقاء الإنفاق الرأسمالي مرتفعاً.

وكانت Strategy& التابعة لـPwC قد حذّرت في 2016 من أن موازنات الخليج تحتاج إلى خفض بنحو 100 مليار دولار سنوياً (7% من الناتج) لتتوازن عند 50 دولاراً للبرميل. ودعت إلى إعادة هيكلة الكلفة بدل الخفض الأفقي. العبرة للعراق أن الموازنة تُدار بهيكل النفقات لا بسقفها فقط.

الرؤية العراقية: مواقف الجابري

صرّح السيد خالد الجابري، رئيس مؤسسة أصول للتطوير الاقتصادي والتنمية المستدامة، بأن المشكلة بين الحكومة الاتحادية والإقليم «هيكلية» لا مستحدثة. السبب برأيه أنه «ماكو عقد مالي بين الطرفين محكوم وموثق بقانون واضح».

ويستشهد الجابري بألمانيا، حيث للأقاليم مواردها وتساهم في الميزانية الاتحادية ثم تأخذ منها لمشاريعها. أما في العراق فالبصرة تعطي الموازنة كلها وتأخذ «ناقوط الحب»، والإقليم يحتفظ بإيراد منافذه. والحل عنده إعادة صياغة العقد المالي بين المركز وكل المحافظات والإقليم، بحيث تساهم كل جهة بجزء وتبقي جزءاً لتنميتها.

ويرى السيد الجابري أن الأزمة بين كردستان والحكومة الاتحادية «مشكلة تشريعية أكثر مما هي مشكلة مالية». فالقوانين مصممة لحكومة مركزية منذ ثمانينات القرن الماضي، والدولة تحاول تطبيقها بصيغة فدرالية.

هنا يلتقي الجابري مع OECD وفرانكل: القاعدة قبل الرقم، والمؤسسة قبل التسوية. ويضيف خصوصية عراقية: العقد لا يخص الإقليم وحده، بل يشمل البصرة وميسان وذي قار والأنبار، مع تفعيل قانون البترودولار المعطّل.

وعن الفرضيات، صرّح السيد الجابري بأن 4 ملايين برميل وـ58 دولاراً أرقام «فرضية»، وأن الوثيقة «اسمها موازنة وليس ميزانية». فرقم التصدير لم يتحقق حتى قبل الأزمة، والسعر ممكن بالخصومات لكن ظروف الحرب مجهولة.

وقدّم الجابري حساباً يوضح حجم المخاطرة. النفقات الحاكمة نحو 125 مليار دولار، ولو حُصّل 20 ملياراً من الداخل فيبقى 105 مليارات من النفط:

سعر البرميل (بتصدير 3.5 مليون ب/ي) العجز المقدّر
50 دولاراً نحو 46 مليار دولار
60 دولاراً نحو 32 مليار دولار
70 دولاراً نحو 17 مليار دولار
85 دولاراً تعادل

وفي الجباية، يستند الجابري إلى وصية الإمام علي لمالك الأشتر بأن عمارة الأرض تسبق استجلاب الخراج. ويختصرها بلهجة عراقية: «روح سوي نشاط اقتصادي… خراج يجيك». وهذا يتسق مع اختبار PwC: الإيراد غير النفطي المستدام يأتي من نشاط ينمو، لا من رسوم تُفرض على نشاط راكد.

وينقل الجابري نصيحة صندوق النقد بعدم تمويل العجز بسندات قصيرة الأجل، وينبّه إلى غياب «أنظمة إدارة المال العام» التي تعطي تنبؤات لسنة ولعشر سنوات. ويصف الحكومة بأنها تواجه خطرين معاً: شح الإيراد وتضخم الإنفاق المتراكم خلال 23 سنة، إذ ارتفعت الرواتب من نحو 3 تريليونات دينار شهرياً قبل عشر سنوات إلى أكثر من 7.7 تريليون من دون الإقليم.

من الميدان

وهذا ما جاء على لسان الضيف قتيبة زكي، المدير الأول في ديلويت الشرق الأوسط – العراق، في حلقة “السياسات الضريبية في العراق بين التعقيد والرقمنة!” من بودكاست نمو: العراق يعتمد على الضرائب بنحو 9% مقابل 90% نفطاً، بينما تعتمد دول كثيرة على الضرائب بنسبة 80–90%. ورأى أن الإصلاحات رفعت النسبة من 6% إلى 9%، لكنه فضّل تطبيقها بالتدريج. ونبّه إلى أن الإنفاق غير المخطط بالتوازي مع الإيرادات يضطر العراق إلى الاقتراض من الداخل والخارج.

التوصيات

  1. مجلس الوزراء ومجلس النواب: قانون «عقد مالي اتحادي» يحدد مساهمات الإقليم والمحافظات وحصصها بمعادلة معلنة لخمس سنوات، مع تسوية فصلية لإيرادات النفط والمنافذ.
  2. وزارة المالية: إطار مالي متوسط الأجل لثلاث سنوات، بسعر نفط مرجعي تحدده لجنة خبراء مستقلة على نموذج تشيلي، وثلاثة سيناريوهات معلنة للسعر والكمية.
  3. وزارة المالية والبنك المركزي: تمويل العجز بسندات متوسطة وطويلة الأجل بدل القصيرة، ونشر جدول استحقاقات الدين.
  4. وزارة المالية: أولوية صرف قانونية للرواتب بجدول مواعيد معلن، حتى لا تتحول كل دفعة إلى مفاوضة.
  5. وزارة المالية: نظام متكامل لإدارة المال العام يعطي تنبؤات لسنة ولعشر سنوات، وينشر الصرف الفعلي شهرياً.
  6. الهيئة العامة للضرائب: توسيع الوعاء بتسهيل التسجيل والنشاط أولاً، قبل فرض ضرائب جديدة على المطاعم والعاملين من البيت، وبتطبيق تدريجي.

خاتمة

جلسة الثلاثاء قد تحسم النسبة، لكنها لن تحسم القاعدة. بلا عقد مالي مكتوب بقانون، سيعود الخلاف نفسه مع موازنة 2028، وسيدفع الموظف والمقاول ثمنه مرة أخرى.

لماذا أصول؟

مؤسسة أصول للتطوير الاقتصادي والتنمية المستدامة مؤسسة عراقية تربط البيانات بالقرار الاقتصادي. تجمع بين رصد الشارع العراقي، وقياس آراء الناس والمنشآت، ومقارنتها بأفضل التجارب الدولية، لتخرج بحلول قابلة للتنفيذ.

  • الرصد اليومي و«المرصد» الأسبوعي: متابعة ما يتداوله العراقيون في الاقتصاد والخدمات، وقرارات الحكومة، وربطها بالسياق الإقليمي والعالمي.
  • المسوح والمؤشرات: مسح آفاق الأعمال، ومؤشر عبء فجوة الخدمات، واستبيانات دورية مبنية على منهجيات المسوح الدولية المعتمدة.
  • المعرفة من الميدان: مكتبة مواقف اقتصادية موثّقة، وبودكاست Seed | نمو الذي يحاور قادة الشركات العراقية.
  • الورش وموجزات السياسات: ورش عمل مع المراكز البحثية والجهات المعنية، تتحول مخرجاتها إلى توصيات لصانع القرار.
  • الخدمات الاستشارية والفنية للشركات الكبرى والجهات الحكومية: دراسات وتشخيص ومقترحات إصلاح مبنية على البيانات، ومنها أوراق مفاهيمية للإصلاح المالي تُعدّ لصنّاع القرار.
  • يمكن مراجعة مخرجات المؤسسة عبر موقعها الرسمي www.ofesd.com وحساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي.

المصادر

Tags
Share this post:
Subscribe

Join our community and get updated every week. We have a lot more just for you! Let’s join us now