العراق بين التضخم المستورد والاقتصاد الريعي

العراق بين التضخم المستورد والاقتصاد الريعي

بقلم خالد الجابري

لم يعد التضخم في العراق مجرد ظاهرة نقدية ترتبط بحركة السوق المحلية أو بمستويات السيولة والإنفاق الحكومي، بل أصبح انعكاساً مباشراً لتحولات جيوسياسية واقتصادية عالمية تعيد رسم خرائط الطاقة والتجارة وسلاسل التوريد الدولية. فالعالم يعيش اليوم مرحلة انتقال اقتصادي مضطربة، والعراق يقف في قلب هذه التحولات بوصفه واحداً من أكثر الاقتصادات هشاشة أمام الصدمات الخارجية.

وأوضح رئيس مؤسسة أصول للتطوير الاقتصادي والتنمية المستدامة، خالد الجابري، أن العراق يواجه اليوم ما يمكن وصفه بـ”التضخم الانتقالي”، وهو تضخم مستورد ينتقل من الخارج إلى الداخل عبر الاستيراد والطاقة والنقل والتأمين وسلاسل الإمداد، وليس تضخماً ناتجاً عن خلل نقدي داخلي فقط.

ويرى الجابري أن البنك المركزي العراقي ما يزال قادراً إلى حد كبير على السيطرة على التضخم النقدي المحلي، إلا أن الأزمة الحقيقية تكمن في أن العراق يعتمد بصورة شبه كاملة على الاستيراد، ما يجعل أي ارتفاع عالمي في تكاليف الإنتاج أو النقل أو الطاقة ينتقل مباشرة إلى السوق العراقية ويظهر فوراً في أسعار السلع والخدمات.

فإغلاق مضيق هرمز، وارتفاع تكاليف الشحن البحري، وتصاعد تكاليف التأمين على الملاحة، وارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، كلها عوامل دفعت بأسعار المواد الأولية والسلع المصنعة إلى مستويات جديدة، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على الأسواق العراقية، بدءاً من مواد البناء والأجهزة الكهربائية وصولاً إلى المواد الغذائية والأدوية.

وبحسب تقديرات دولية حديثة، فإن المستهلك العالمي مقبل على موجة تضخمية قد تتراوح بين 10 و15% كمعدل عام، فيما قد تسجل بعض السلع ارتفاعات تتجاوز 60 أو حتى 70% بحسب طبيعة المنتج ومدى ارتباطه بالطاقة أو النقل أو الصناعات التقنية.

لكن المشكلة العراقية، بحسب الجابري، لا تكمن فقط في ارتفاع الأسعار، بل في غياب الاقتصاد الإنتاجي القادر على امتصاص الصدمات. فالعراق، رغم موارده الضخمة، ما يزال اقتصاداً ريعياً أحادي الجانب يعتمد على النفط بوصفه المصدر الأساسي للإيرادات، مقابل تراجع واضح في مساهمة الصناعة والزراعة والخدمات الإنتاجية.

ويشير إلى أن حتى القطاعات الأساسية، بما فيها الصحة والدواء والتجهيزات الطبية، تعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد، ما يجعل السوق العراقية مكشوفة بالكامل أمام أي اضطراب عالمي.

اقتصاد الأزمة لا يُدار بعقلية الجباية

ويؤكد الجابري أن التحدي الأكبر لا يتعلق بالتضخم وحده، بل بطريقة إدارة الدولة للاقتصاد خلال الأزمات. فاقتصاد الأزمات، بحسب وصفه، يحتاج إلى أدوات مختلفة تماماً عن تلك التي تُستخدم في فترات الوفرة والاستقرار.

ففي الوقت الذي تعمد فيه كثير من الدول إلى تخفيف الأعباء عن الأسواق وتحفيز النشاط الاقتصادي، ما تزال البيئة الاقتصادية العراقية مثقلة بطبقات متراكمة من الرسوم والضرائب والكمارك والإجراءات البيروقراطية، الأمر الذي أدى إلى إنهاك القطاع الخاص، خصوصاً المشاريع الصغيرة والمتوسطة.

ويشرح الجابري أن صاحب المشروع العراقي لا يواجه فقط مشكلة ارتفاع أسعار البضائع المستوردة، بل يواجه أيضاً شبكة واسعة من الرسوم والالتزامات تبدأ من رسوم المهنة والبلديات والدفاع المدني والكهرباء التجارية، وصولاً إلى الضرائب والكمارك والتحاسبات المعقدة والتصديقات والإجازات المتعددة.

وفي ظل انكماش السوق وضعف القوة الشرائية، تتحول هذه الأعباء إلى عامل طرد اقتصادي حقيقي، يدفع الكثير من المشاريع إلى التراجع أو التوقف، ويقيد قدرة القطاع الخاص على التحرك والنمو.

ومن هنا يطرح الجابري فكرة مركزية تتمثل بضرورة الانتقال من مفهوم “تعظيم إيرادات الدولة” إلى مفهوم “تعظيم اقتصاد الدولة”. فالدولة، بحسب هذا الطرح، لا ينبغي أن تنظر إلى الاقتصاد بوصفه أداة جباية فقط، بل باعتباره منظومة إنتاج وتشغيل واستثمار وتنمية.

ويعتبر أن الحكومات العراقية المتعاقبة ركزت بصورة شبه كاملة على تمويل القطاع الحكومي وضمان الرواتب، لكنها في المقابل أهملت “الابن الآخر” للدولة، أي القطاع الخاص، رغم أن هذا القطاع هو القادر فعلياً على خلق فرص العمل وتنشيط السوق وتوسيع القاعدة الضريبية بصورة مستدامة.

التضخم المستورد يلتهم القدرة الشرائية

ويرى الجابري أن الخطر الحقيقي للتضخم لا يظهر فقط في ارتفاع الأسعار، بل في التآكل التدريجي للقدرة الشرائية للمواطن.

فالموظف أو العامل الذي يتقاضى دخلاً ثابتاً يجد نفسه أمام أسعار تتصاعد بصورة مستمرة، بينما يبقى دخله على حاله. ومع استمرار ارتفاع أسعار السلع المستوردة، تبدأ الفجوة بين الدخل والإنفاق بالتوسع تدريجياً، الأمر الذي يؤدي إلى انكماش اقتصادي واسع داخل السوق المحلية.

ويحذر من أن العراق يعيش حالياً حالة مزدوجة تتمثل في “انكماش اقتصادي داخلي” بالتزامن مع “تضخم مستورد خارجي”، وهي من أصعب الحالات الاقتصادية التي يمكن أن تواجه أي دولة، لأن أدوات المعالجة التقليدية تصبح محدودة التأثير.

ويؤكد أن مواجهة هذه الحالة تتطلب إعادة صياغة كاملة للسياسة المالية، عبر تخفيض الرسوم والضرائب والكمارك بصورة مؤقتة لتخفيف الضغط عن السوق ومنح القطاع الخاص هامش حركة وقدرة على امتصاص جزء من الارتفاعات العالمية.

فالسلعة التي تصل إلى العراق وهي متضخمة أصلاً بسبب تكاليف الطاقة والنقل، لا ينبغي — بحسب الجابري — أن تُحمّل بطبقات إضافية من الرسوم والضرائب المحلية، لأن النتيجة النهائية ستكون انتقال كامل العبء إلى المستهلك العراقي.

من “البترودولار” إلى “البتروكمبيوتر”

وفي سياق حديثه عن التحولات الاقتصادية العالمية، يشير الجابري إلى أن كثيراً من الدول النفطية بدأت تدرك أن عصر الاعتماد التقليدي على النفط يقترب من نهاياته التدريجية، لذلك بدأت بإعادة تدوير عوائد الطاقة داخل قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والصناعات الدقيقة.

ويستشهد بما يسميه التحول من “البترودولار” إلى “البتروكمبيوتر”، أي استخدام عوائد النفط لبناء اقتصادات قائمة على المعرفة والتقنيات المتقدمة، بدلاً من الاقتصار على تصدير الخام.

ويؤكد أن العالم يشهد حالياً إعادة توزيع لسلاسل الإنتاج العالمية، حيث بدأت الدول الكبرى تحتفظ بالصناعات الدقيقة والاستراتيجية، فيما تنقل أجزاء من العمليات الصناعية إلى دول تمتلك بيئات مرنة واستقراراً تشريعياً وطاقة رخيصة وموقعاً جغرافياً مهماً.

لكن العراق، بحسب وصفه، ما يزال خارج هذه المنظومة إلى حد بعيد، ليس بسبب نقص الموارد أو الإمكانات، بل بسبب البيئة التشريعية المعقدة، والبيروقراطية الثقيلة، وغياب الرؤية الاقتصادية بعيدة المدى.

ويشدد الجابري على أن التكنولوجيا تسبق القانون دائماً، وأن الاقتصادات التي تنتظر اكتمال التشريعات قبل الدخول في التحولات التكنولوجية ستجد نفسها متأخرة عن العالم بعقود.

الاستثمار الأجنبي ليس ترفاً

وفي رؤيته لمعالجة التضخم وبناء اقتصاد أكثر استقراراً، يربط الجابري بصورة مباشرة بين جذب الاستثمار الأجنبي المباشر وبين حماية السوق المحلية من الصدمات الخارجية.

فكل مصنع يُنشأ داخل العراق، وكل صناعة يتم توطينها محلياً، تعني تقليص الحاجة إلى الاستيراد، وتخفيف الضغط على العملة الصعبة، وتقليل انتقال التضخم العالمي إلى الداخل.

ويعتبر أن الحديث عن الاستثمار الأجنبي في العراق ما يزال محدوداً ومحصوراً بقطاع النفط والطاقة، بينما الاستثمارات الحقيقية، وفق المعايير العالمية، تعني دخول شركات كبرى وإنشاء مراكز إنتاج وصناعة وتكنولوجيا مرتبطة بسلاسل التوريد العالمية.

ويشير إلى أن العراق لم ينجح حتى الآن في تقديم نفسه كبيئة استثمارية مستقرة قادرة على جذب هذا النوع من الاستثمارات، رغم امتلاكه ميزات استراتيجية هائلة، تشمل الموقع الجغرافي، والموارد الطبيعية، والطاقة، والقاعدة البشرية الشابة.

الاحتياطيات ليست حلاً دائماً

وفي الجانب النقدي، يحذر الجابري من الاعتماد المفرط على احتياطيات البنك المركزي لتمويل الاستقرار الاقتصادي، مؤكداً أن الاحتياطي النقدي يجب أن يبقى أداة حماية للطوارئ، لا وسيلة دائمة لمعالجة الاختلالات الهيكلية.

ويشير إلى أن استمرار الأزمات الجيوسياسية أو تعطل صادرات النفط قد يضع العراق أمام تحديات مالية أكثر تعقيداً، خصوصاً مع غياب البدائل اللوجستية الكافية، سواء في مجال خطوط الأنابيب أو ناقلات النفط الوطنية.

كما يستبعد أن يكون تغيير سعر الصرف حلاً فعلياً للأزمة، معتبراً أن هذه الخطوة قد تمنح معالجة محاسبية قصيرة الأمد، لكنها تؤدي لاحقاً إلى موجات تضخمية أوسع وأكثر إيلاماً للمواطن.

العراق أمام فرصة تاريخية

ويرى خالد الجابري أن العراق يقف اليوم أمام لحظة مفصلية، فإما أن يستمر بوصفه اقتصاداً ريعياً استهلاكياً يعتمد بالكامل على النفط والاستيراد، أو أن يتحول إلى اقتصاد إنتاجي مرن قادر على الاندماج في التحولات العالمية الجديدة.

ويؤكد أن العراق يمتلك من الموارد البشرية والطبيعية والجغرافية ما يؤهله ليكون مركزاً اقتصادياً إقليمياً مهماً، لكن ذلك يتطلب تغييراً جذرياً في طريقة التفكير الاقتصادي، والانتقال من عقلية إدارة الإيرادات إلى عقلية بناء الاقتصاد.

فالرهان الحقيقي، بحسب الجابري، ليس على ارتفاع أسعار النفط أو انخفاضها، بل على قدرة العراق في بناء اقتصاد يستطيع الصمود عندما تتغير خرائط الطاقة والأسواق والتكنولوجيا في العالم

Tags
Share this post:
Subscribe

Join our community and get updated every week. We have a lot more just for you! Let’s join us now