العراق بين اقتصاد الدولة واقتصاد الجباية
كيف تحوّل النفط والتشريع القديم إلى منظومة تدفع المجتمع نحو الاعتماد على الحكومة بدل محاسبتها؟
بقلم: خالد الجابري
في الدول الطبيعية، تنشأ علاقة واضحة بين المواطن والدولة:
المواطن يدفع الضرائب، والدولة تُحاسَب على كيفية إدارة المال العام والخدمات والاقتصاد.
لكن في الاقتصادات الريعية، تنقلب هذه العلاقة بالكامل.
فالدولة التي تعتمد على النفط لا تعود بحاجة اقتصادية حقيقية للمواطن، بينما يصبح المواطن أكثر اعتماداً عليها بوصفها مصدر الرواتب والتعيينات والعقود والدعم.
وهنا تبدأ أخطر التشوهات البنيوية.
العراق، بعد أكثر من 23 عاماً على التغيير السياسي، ما زال يعيش داخل نموذج اقتصادي أحادي الجانب، يعتمد على النفط بوصفه العمود الفقري للدولة، دون أن يتمكن من بناء اقتصاد موازٍ قادر على خلق الثروة والإنتاج وفرص العمل المستدامة.
المشكلة لم تعد في النفط فقط، بل في العقلية الاقتصادية التي تشكلت حوله.
فالنفط لم يمول الدولة فحسب، بل غيّر طبيعة العلاقة بين:
- المجتمع،
- والدولة،
- والاقتصاد،
- وحتى الثقافة السياسية نفسها.
العراق لم ينتقل فعلياً إلى اقتصاد السوق
خلال العقدين الماضيين، تحدث العراق كثيراً عن:
- الخصخصة،
- القطاع الخاص،
- الاستثمار،
- وتنويع الاقتصاد.
لكن الواقع مختلف تماماً.
فالعراق لم ينتقل فعلياً من الاقتصاد الاشتراكي المركزي إلى اقتصاد السوق، بل انتقل فقط إلى “استهلاك السوق”.
المواطن يستهلك ضمن سوق مفتوح، لكن الدولة ما زالت تدير الاقتصاد بعقلية مركزية قديمة تعود إلى تشريعات صُممت لعصر مختلف تماماً.
وحين يحتك القطاع الخاص بالمؤسسات الحكومية، تظهر فوراً القيود الإدارية والتشريعية التي ما زالت تحمل روح الاقتصاد الاشتراكي.
حتى اليوم، لا تزال أجزاء واسعة من المنظومة القانونية العراقية مستندة إلى قوانين تعود إلى حقبة مجلس قيادة الثورة المنحل، بينما بقيت قوانين أخرى تعود إلى خمسينيات وستينيات القرن الماضي، أي إلى مرحلة كانت الدولة فيها ترى نفسها المنتج والمشغل والمتحكم الكامل بالسوق.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
العراق يتحدث عن اقتصاد السوق، لكنه ما زال يدار بعقلية الدولة المسيطرة على الاقتصاد.
“تعظيم الإيرادات” … أخطر مصطلح اقتصادي في العراق
واحدة من أكبر الأزمات الفكرية داخل الإدارة الاقتصادية العراقية هي الخلط بين:
- “تعظيم إيرادات الدولة”،
- “تعظيم اقتصاد الدولة”.
الفرق بينهما ليس لغوياً، بل فلسفي بالكامل.
حين تصبح الدولة مهووسة بتعظيم الإيرادات، فإنها تبدأ بالنظر إلى الاقتصاد والمواطن بوصفهما أدوات جباية.
أما حين يكون الهدف تعظيم الاقتصاد، فإن التركيز يتحول إلى:
- توسيع النشاط الاقتصادي،
- تحفيز الاستثمار،
- زيادة الإنتاج،
- وخلق القيمة المضافة.
ومنذ عام 2015 وحتى اليوم، اتجهت السياسة المالية في العراق تدريجياً نحو المسار الأسهل:
- المزيد من الرسوم،
- المزيد من الضرائب،
- المزيد من الجبايات.
حتى أصبح كل نشاط اقتصادي تقريباً معرضاً لنوع جديد من الرسوم أو القيود.
لكن الاقتصاد لا يعمل بهذه الطريقة.
لأن الدولة حين تضغط على اقتصاد ضعيف أصلاً، فإنها لا تزيد الإيرادات على المدى الطويل، بل تدفع النشاط الاقتصادي تدريجياً نحو:
- التهرب،
- اقتصاد الظل،
- والانكماش.
لماذا لا يستطيع العراق الوصول إلى مستويات الضرائب الخليجية؟
في كثير من الأحيان، تُطرح مقارنة العراق بالدول النفطية الخليجية لتبرير رفع الإيرادات غير النفطية.
لكن هذه المقارنة مضللة إذا أُخذت خارج سياقها الاقتصادي الحقيقي.
ففي دول الخليج، تشكل الضرائب نسبة أعلى من الناتج المحلي، لكن تلك الاقتصادات تمتلك:
- نشاطاً اقتصادياً واسعاً،
- قطاعات استثمارية عالمية،
- خدمات،
- لوجستيات،
- صناعة،
- وسياحة.
أما العراق، فما زال يمتلك اقتصاداً محدود الإنتاجية وضعيف التنوع.
وهنا تكمن المشكلة:
العراق يحاول زيادة الإيرادات من اقتصاد صغير ومجمد أصلاً.
أي أن الضغط المالي يُفرض على قاعدة اقتصادية هشة.
ولهذا فإن أي محاولة لرفع الجباية دون توسيع النشاط الاقتصادي ستؤدي إلى نتيجة عكسية.
الاقتصاد العراقي اليوم لا يحتاج إلى ضرائب أعلى، بل إلى اقتصاد أكبر.
القطاع الخاص العراقي… قطاع مرتبط بالدولة لا بالسوق
المشكلة الأعمق أن القطاع الخاص العراقي لم يتحول إلى قطاع مستقل قادر على إنتاج الثروة والدولار.
بل أصبح، في أجزاء واسعة منه، قطاعاً مرتبطاً بالعقود الحكومية والإنفاق العام.
ولهذا أصبح كثير من رجال الأعمال ينتظرون:
- عقداً حكومياً،
- مشروعاً ممولاً من الدولة،
- أو إنفاقاً عاماً جديداً،
بدلاً من بناء نشاط إنتاجي مستقل.
وهذا ليس خطأ القطاع الخاص وحده، بل نتيجة طبيعية لبيئة اقتصادية دفعت رأس المال نحو الدولة بدل السوق.
فالقطاع الخاص العراقي لا يعاني فقط من الضرائب، بل من:
- رحلة الضريبة،
- تعقيد الإجراءات،
- تضارب التعليمات،
- والابتزاز الإداري.
وهي مشكلة لا تخص الضرائب فقط، بل تعكس طبيعة المنظومة الإدارية نفسها.
أخطر ما في الاقتصاد الريعي… أنه يقتل المحاسبة
في الاقتصادات الطبيعية، المواطن الذي يدفع الضرائب يشعر بأنه شريك في الدولة، ولذلك يطالب بالمحاسبة والشفافية والكفاءة.
أما في الاقتصاد الريعي، فالعلاقة تختلف جذرياً.
الدولة لا تعتمد على ضرائب المواطن، بل تعتمد على النفط.
ولهذا يصبح المواطن أقل قدرة على محاسبة الدولة مالياً، بينما تصبح الدولة أقل حاجة اقتصادية للمجتمع.
وهنا يتحول المجتمع تدريجياً من:
- مجتمع منتج يراقب الدولة،
إلى: - مجتمع يعتمد على الدولة.
ولهذا توسعت في العراق ثقافة:
- التعيين الحكومي،
- الوظيفة العامة،
- والاعتماد على الإنفاق الحكومي،
بينما تراجع الاقتصاد الإنتاجي الحقيقي.
النفط هنا لا يصبح مجرد مصدر تمويل، بل أداة تعيد تشكيل المجتمع نفسه.
التضخم القادم… ليس بيد البنك المركزي
واحدة من أكبر المشكلات التي يواجهها العراق اليوم أن جزءاً كبيراً من التضخم القادم سيكون “تضخماً مستورداً”.
فالعراق يعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد في:
- الغذاء،
- المواد الكهربائية،
- الإلكترونيات،
- وحتى كثير من الصناعات التحويلية البسيطة.
وهذا يعني أن أي ارتفاع عالمي في:
- أسعار الطاقة،
- التصنيع،
- أو الشحن،
سينتقل مباشرة إلى السوق العراقية.
البنك المركزي يستطيع إدارة سعر الصرف والسيولة، لكنه لا يستطيع منع ارتفاع أسعار السلع العالمية.
وهنا تظهر حدود السياسة النقدية.
المشكلة هنا تصبح مسؤولية السياسة المالية والاقتصادية، لا السياسة النقدية فقط.
لأن مواجهة التضخم لا تكون فقط عبر سعر الصرف، بل عبر:
- تخفيض كلفة الإنتاج،
- توسيع الاقتصاد المحلي،
- وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
العراق يدار بتشريعات متضاربة عمرها عشرات السنين
واحدة من أخطر المشاكل البنيوية في العراق هي تضارب القوانين والتعليمات والضوابط.
هناك قوانين تقول شيئاً، والتعليمات تقول شيئاً آخر، بينما تفرض الضوابط مساراً مختلفاً تماماً.
وهذا التداخل التشريعي خلق بيئة مثالية لـ:
- البيروقراطية،
- تعطيل الأعمال،
- والابتزاز الإداري.
بعض الدراسات تشير إلى وجود آلاف حالات التداخل التشريعي داخل المنظومة العراقية.
والنتيجة أن المستثمر أو التاجر لا يدخل في سوق واضحة القواعد، بل يدخل في متاهة من:
- التفسيرات،
- الموافقات،
- والقرارات المتناقضة.
الأخطر أن العراق حاول تطبيق اللامركزية ونقل الصلاحيات، لكنه أبقى على قوانين مركزية قديمة تعود إلى ستينيات القرن الماضي.
أي أن الدولة حاولت بناء نظام حديث بأدوات تشريعية قديمة.
وهذه وصفة مثالية لإنتاج المزيد من الفوضى الاقتصادية والإدارية.
الاقتصاد لا يُنقذ بالجباية
اقتصاد الأزمات يختلف جذرياً عن اقتصاد الرفاهية.
وفي ظل التحولات العالمية الحالية، لا يستطيع العراق الاستمرار بعقلية:
“كيف نجمع إيرادات أكثر؟”
السؤال الحقيقي يجب أن يكون:
“كيف نبني اقتصاداً أكبر وأكثر إنتاجية؟”
لأن الدول لا تصبح قوية عندما تزيد الرسوم على مجتمع ضعيف،
بل عندما توسع الاقتصاد الذي ينتج الثروة أصلاً.
العراق اليوم لا يحتاج فقط إلى إصلاح مالي،
بل إلى إعادة تعريف كاملة للعلاقة بين:
- الدولة،
- والمواطن،
- والسوق،
- والنفط.
لأن أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي دولة ريعية،
هو أن يصبح المجتمع معتمداً عليها بالكامل،
بينما تصبح هي غير محتاجة إليه اقتصادياً.
