تقرير تحليلي: أحوال الأعمال في ظل ضغوط متصاعدة
استناداً إلى نتائج استطلاع اتجاهات الأعمال وتوقعاتها — حزيران 2026
إعداد: استناداً إلى بيانات مؤسسة أصول للتطوير الاقتصادي والتنمية المستدامة
ضائقة بلا أفق قريب
لا تحتاج الأرقام إلى كثير من التفسير حين تتحدث بهذا الوضوح: 86% من الأنشطة التجارية المستطلعة تعرّضت لخسائر مالية خلال الأشهر الستة الماضية. ليست هذه أزمة قطاع بعينه، بل هي صدمة منهجية تضرب غالبية بيئة الأعمال على اتساعها. هكذا يُشخّص الاستطلاع الصادر في حزيران 2026 عن مؤسسة أصول للتطوير الاقتصادي والتنميه المستدامة
المشهد العام: أرقام تكشف الحجم الحقيقي للأزمة
الصورة التي يرسمها الاستطلاع قاتمة بامتياز. سبعة وسبعون بالمئة من الأنشطة التجارية لا تزال تعمل، غير أن 14% منها توقفت مؤقتاً، و13% أغلقت أبوابها نهائياً. أما من لا يزال يعمل، فيصف واقعه بكلمات لا تبعث على التفاؤل: 47% يُقيّمون أداءهم بأنه دون المتوسط أو سيئ، في مقابل 23% فحسب يُصنّفون أنفسهم ضمن الأداء الجيد أو الممتاز.
مؤشر أحوال الأعمال (BCI) يُلخّص هذا الواقع في رقم واحد: 34.8 من 100، وهو ما يضع الاقتصاد في منطقة الانكماش الواضحة. المؤشر الراهن يبلغ 31.2، فيما يرتفع قليلاً في التوقعات للأشهر الستة المقبلة إلى 38.3 — وهو تحسّن طفيف لا يكفي للخروج من دائرة الضغط.
ثلاثي الضغط: الإيرادات، التكاليف، والطلب
تكشف البيانات عن ثلاثة محاور متشابكة تعصر بيئة الأعمال في آنٍ واحد:
أولاً — انهيار الإيرادات والطلب: انخفضت إيرادات 73% من الأنشطة خلال الشهرين الماضيين، فيما تراجع الطلب لدى 72% منها. هذا التراجع المزدوج يعني أن المشكلة ليست في الإدارة أو الكفاءة، بل في البنية الكلية للسوق.
ثانياً — مقصلة الهوامش: ارتفعت تكاليف المدخلات لدى 78% من الأنشطة، في حين رفع 63% منها أسعار البيع — إلا أن رفع الأسعار لم يُجدِ نفعاً حين يهرب العملاء أو يُقلّصون إنفاقهم. النتيجة: هوامش ربح تتآكل من الجانبين، ومشروعات عالقة في فخ لا مخرج سريع منه.
ثالثاً — ضغط التوظيف وساعات العمل: خفّض 55% من أصحاب الأعمال عدد موظفيهم المدفوعي الأجر، وتراجعت ساعات العمل لدى 47%. ليست هذه قرارات اختيارية، بل استجابات دفاعية لضغوط السيولة وتراجع الإيرادات.
الأعباء التنظيمية: جدار يحاصر الأنشطة
في سياق هذه الضغوط، يواجه أصحاب الأعمال جداراً من الأعباء الحكومية يجعل الصمود أصعب والتعافي أبطأ. يتصدر القائمة رسوم الاستيراد وتعريفاتها المتصاعدة، تليها الضرائب والرسوم الجديدة، ورسوم التراخيص المرتفعة، وتأخيرات الجمارك. وتشكّل هذه الأعباء مجتمعةً ما يصفه الاستطلاع بـ”الجدار التنظيمي”، الذي يحدّ من قدرة المشروعات الصغيرة والمتوسطة على الاستثمار وإعادة تكوين المخزون.
يضاف إلى ذلك ضعف الوصول إلى التمويل المصرفي؛ إذ يتجنّب 36% من الأنشطة استخدام النظام المصرفي كلياً بسبب القيود، ولا يعتمد عليه أساساً سوى 34%. هذا يعني أن جزءاً كبيراً من السوق يعمل خارج منظومة التمويل الرسمي، مما يُقيّد إمكانيات النمو وإعادة الاستثمار.
التوقعات: التشاؤم يتعمّق
لا يقف الأمر عند الحاضر الصعب؛ فالتوقعات للأشهر الستة المقبلة تحمل مزيداً من القتامة. 55% يتوقعون أداءً سيئاً أو دون المتوسط، ارتفاعاً من 47% حالياً. 54% يتوقعون تقليص عدد موظفيهم. 55% يرون مزيداً من تراجع الطلب. وتستمر توقعات ارتفاع تكاليف المدخلات لدى 68%.
الأخطر من كل ذلك أن التشاؤم لم يعد ظرفياً — بل بات بنيوياً. حين يُشير الاستطلاع إلى أن غالبية الأنشطة لا تتوقع انتعاشاً بل مزيداً من التراجع، فإن ذلك يعكس فقدان الثقة في آليات التعافي الذاتي للسوق.
الذكاء الاصطناعي: بصيص في عتمة الأزمة
في خضم هذا المشهد الصعب، يبرز مؤشر إيجابي لافت: 39% من الأنشطة التجارية تستخدم الذكاء الاصطناعي رغم صعوبة الظروف، و84% من مستخدميه يخططون للتوسع في استخدامه أو الاستمرار فيه. والأهم أن الذكاء الاصطناعي يُوظَف في الغالب لدعم الموظفين لا استبدالهم — يتصدر تطبيقاته قطاعات الاستراتيجية والتطوير (61%)، والمالية والمحاسبة (58%)، والمبيعات والتسويق (55%).
16% من الأنشطة التي اعتمدت الذكاء الاصطناعي شهدت نمواً في التوظيف — وهو رقم يستحق التأمل في بيئة تفقد فيها معظم الأنشطة وظائف. يخبرنا ذلك أن الذكاء الاصطناعي، حين يُدمج بشكل صحيح مع رأس المال البشري، يمكن أن يكون محركاً للنمو لا أداةً للتقليص.
غير أن 54% من الأنشطة لا تزال خارج دائرة الذكاء الاصطناعي، والعائق الأول هو نقص الكوادر المؤهلة — وهو ما يخلق بدوره فرصة توظيف حقيقية في مجالات التدريب والاستشارات والبنية التحتية التقنية.
ما الذي تحتاجه بيئة الأعمال فعلاً؟
يُقدّم الاستطلاع ثماني توصيات عملية، يمكن اختصار جوهرها في أربعة محاور:
الإصلاح التنظيمي العاجل — توحيد الرسوم والجبايات المتعددة، وتسريع إجراءات التخليص الجمركي، ومراجعة رسوم التراخيص لتعكس الواقع الاقتصادي الفعلي.
دعم السيولة الفوري — مع 86% من الأنشطة تعاني خسائر مالية، لا يمكن الانتظار طويلاً. برامج ائتمانية ميسّرة، وتأجيل ضريبي، وقروض مضمونة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة باتت ضرورة لا رفاهية.
تخفيف عبء تكاليف المدخلات — مراجعة مستهدفة للتعريفات الجمركية على المواد الأولية والسلع الوسيطة ستُسهم مباشرة في استعادة هوامش الربح وتحسين القدرة التنافسية.
تمكين الاقتصاد الرقمي — رفع العقبات أمام الدفع الإلكتروني، وتيسير الوصول إلى الخدمات المصرفية، ودعم برامج محو الأمية الرقمية والذكاء الاصطناعي، هي استثمارات في مستقبل بيئة أعمال أكثر مرونة.
خاتمة: نافذة التحوّل مفتوحة — لكنها لن تبقى كذلك
ما يرسمه هذا الاستطلاع ليس مجرد صورة قاتمة للحظة الراهنة — بل هو إنذار مبكر يستوجب استجابة سياساتية جادة وعاجلة. الإغلاقات المؤقتة (14%) يمكن أن تتحول إلى إغلاقات دائمة (13% بالفعل). والتشاؤم المتراكم يمكن أن يتحول إلى تراجع دائم في القدرة الإنتاجية للاقتصاد.
في المقابل، الإشارات الإيجابية موجودة: ثلث الأنشطة يتبنى الذكاء الاصطناعي طوعاً رغم الضغوط، مما يدل على روح ريادية حية تنتظر البيئة المناسبة للانطلاق.
التحوّل ممكن — لكنه يتطلب سياسات واضحة ومتسقة تُعيد الثقة إلى السوق، وتُخفّف الضغط عن كاهل أصحاب الأنشطة، وتفتح أمامهم مسارات حقيقية للتعافي والنمو. النافذة لا تزال مفتوحة، لكنها لن تبقى كذلك إلى الأبد.
