دينارٌ أضعف وسلّةٌ أغلى: من يحمي الأسرة العراقية بعد رفع سعر الدولار؟
مقال تحليلي | مؤسسة أصول للتطوير الاقتصادي والتنمية المستدامة
بعد أسابيع من رفع سعر الدولار الرسمي في العراق من 1320 إلى 1520 ديناراً، لم يعد الجدل الاقتصادي محصوراً في السياسة النقدية أو إدارة الاحتياطيات الأجنبية، بل انتقل إلى سؤال أكثر إلحاحاً: من يتحمل كلفة تعديل سعر الصرف، وكيف يمكن حماية الأسر العراقية من موجة الغلاء؟
في الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن حزمة إجراءات لدعم قطاعات اقتصادية متعددة، تواجه الأسر ضغوطاً متزايدة على قدرتها الشرائية، وسط استمرار الاعتماد على الاستيراد واتساع الفجوة بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق السوداء.
من سعر الصرف إلى مائدة الأسرة
لا تقيس الأسرة العراقية أثر السياسة النقدية بالأرقام المعلنة، بل بما تدفعه مقابل الغذاء والكهرباء والنقل والسكن والدواء. وقد انعكس ارتفاع سعر الدولار سريعاً على أسعار عدد من السلع الأساسية، من بينها السكر والرز والبيض والزيت، وفقاً لتقارير صحفية محلية.
وتكشف هذه التطورات عن مشكلة أعمق من مجرد تعديل سعر الصرف؛ فالاقتصاد العراقي يعتمد بدرجة كبيرة على السلع المستوردة، ما يجعل انتقال أثر تغير سعر الدولار إلى الأسعار المحلية أمراً يصعب تجنبه، خصوصاً في ظل محدودية الإنتاج المحلي وضعف البدائل المتاحة أمام المستهلك.
وبحسب الرصد الاقتصادي، بقي سعر الدولار في السوق السوداء أعلى من السعر الرسمي حتى أواخر تشرين الأول، وهو ما يثير تساؤلات بشأن قدرة الإجراءات النقدية وحدها على تقليص الفجوة وتحقيق الاستقرار المنشود.
خالد الجابري: لا بد من حماية اجتماعية موازية
يرى المهندس خالد الجابري، رئيس مؤسسة أصول للتطوير الاقتصادي والتنمية المستدامة، أن مناقشة سعر الصرف لا ينبغي أن تنفصل عن كلفة المعيشة وقدرة الأسر على تحمّل الأعباء الاقتصادية.
وفي تصريحاته الإعلامية، أشار الجابري إلى أن الأسرة العراقية تتحمل أعباء مالية كبيرة مقابل خدمات أساسية، مقدّراً كلفة سبع خدمات، تشمل الصحة والتعليم والكهرباء والطرق والنقل والإنترنت ومياه الشرب، بنحو 665 ألف دينار شهرياً، من دون احتساب الغذاء والسكن والكسوة.
كما طرح تقديراً بأن الأسرة المكونة من خمسة أفراد تحتاج إلى نحو مليون ونصف المليون دينار شهرياً، على أقل تقدير، لتغطية احتياجاتها الأساسية.
ومن هذا المنطلق، يطرح الجابري ضرورة التمييز بين الأسر العاجزة عن تلبية احتياجاتها الأساسية، والأسر التي تتعرض لضغوط معيشية متزايدة، وتلك القادرة على تحمّل التغيرات الاقتصادية. فسياسة الدعم، وفق هذا التصور، ينبغي ألا تكون عامة وغير موجهة، بل مصممة وفق مستويات الدخل والاحتياجات الفعلية.
ومن أبرز المقترحات التي طرحها اعتماد قسائم دعم مخصصة للطعام والكهرباء والخدمات الأساسية، تُمنح للأسر المستهدفة وتُستخدم لدى الجهات المحددة. ويمكن تطوير هذا المقترح إلى بطاقة دعم إلكترونية تربط الاستحقاق بمستوى الدخل، وتتيح توجيه الموارد العامة إلى الفئات الأكثر تضرراً.
وتبرز أهمية هذا التوجه في أن تغيير سعر الصرف، حتى عندما يكون جزءاً من معالجة اختلالات اقتصادية أوسع، لا يضمن بذاته حماية الفئات محدودة الدخل. فنجاح أي تعديل نقدي يتطلب النظر إلى آثاره التوزيعية، وتحديد الفئات التي تتحمل كلفته، وتصميم إجراءات تخفف الضرر عنها.
الحوالات المصرفية والثقة في النظام المالي
لا تتوقف المشكلة عند الأسعار. فقد أشار الجابري إلى أن تأخر الحوالات الخارجية، الذي قد يمتد وفق تصريحاته إلى ما بين 39 و45 يوماً، يدفع بعض التجار إلى البحث عن الدولار في السوق السوداء، بما قد يزيد الضغط على سعر الصرف.
وتسلط هذه الملاحظة الضوء على جانب مهم من إدارة السياسة النقدية: فالإجراءات التنظيمية لا تحقق أهدافها بمجرد إصدارها، بل تعتمد أيضاً على كفاءة التنفيذ وسرعة إنجاز المعاملات وثقة المتعاملين بالنظام المصرفي.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى معالجة الاختناقات التي تعطل الحوالات، وتحديد أطر زمنية واضحة لإنجازها، وتعزيز الشفافية في الإجراءات المصرفية. فكلما ارتفعت كلفة التعامل الرسمي أو طال انتظاره، زادت الحوافز للبحث عن قنوات بديلة، وهو ما قد يضعف فاعلية السياسة النقدية.
من إدارة التضخم إلى بناء الإنتاج المحلي
يشدد الجابري كذلك على أن معالجة التضخم لا يمكن أن تعتمد بصورة دائمة على أدوات نقدية منفردة، في اقتصاد يعتمد على الاستيراد ويواجه ضعفاً في قدرته الإنتاجية.
وفي هذا السياق، طرح مجموعة من المقترحات لتشجيع الاستثمار الصناعي، تشمل توفير الأراضي للمصانع، وتبسيط إجراءات منح الإجازات الصناعية، وربط الالتزامات الضريبية بقدرة المشروعات على تحقيق الأرباح، إلى جانب استخدام التعرفة الجمركية بصورة انتقائية وفق طبيعة السلع وأولويات الإنتاج المحلي.
وتتطلب هذه المقترحات تصميماً دقيقاً يوازن بين حماية المستهلك وتشجيع الصناعة، بحيث لا تتحول الرسوم الجمركية إلى سبب إضافي لارتفاع كلفة المعيشة أو مدخلات الإنتاج. فالهدف ليس زيادة كلفة الاستيراد بصورة عامة، بل توسيع القدرة الإنتاجية المحلية تدريجياً، وتقليل الاعتماد على الخارج حيثما تتوافر فرص اقتصادية حقيقية.
ويكتسب هذا النقاش أهمية خاصة بالنسبة إلى قطاع البناء والإنشاءات، الذي يعتمد على استيراد جانب من مواده ومعداته. وقد حذّر الجابري من ارتفاع كلف الإنتاج والاستيراد والشحن والتأمين، مقدّراً الزيادة بنحو 20 إلى 25 في المئة. وإذا تحققت هذه الزيادات، فقد تمتد آثارها إلى كلفة المشاريع والاستثمار والإسكان، بما يوسع نطاق تأثير تغير سعر الصرف خارج أسواق السلع الاستهلاكية المباشرة.
قتيبة زكي: المستثمر يحتاج إلى اليقين
ومن زاوية أخرى، يبرز عامل الاستقرار في القرارات الاقتصادية بوصفه عنصراً أساسياً في بيئة الأعمال.
ففي نقاش ضمن بودكاست نمو، أوضح الأستاذ قتيبة الزكي، المدير الأول في ديلويت الشرق الأوسط، أن المستثمر لا يبحث بالضرورة عن معدل ضريبي منخفض بقدر ما يبحث عن «اليقين الضريبي»، بما يشمل وضوح القواعد واستقرار القرارات وعدالتها ووجود آليات واضحة للاعتراض.
ورغم أن حديث الزكي تناول السياسات الضريبية، فإن المبدأ يحمل دلالة أوسع على إدارة الاقتصاد: يحتاج المستثمر والتاجر والمستهلك إلى قواعد يمكن توقعها، وإجراءات واضحة، وبيئة لا تضيف المفاجآت التنظيمية إلى المخاطر التجارية القائمة.
وفي حالة سعر الصرف، تزداد أهمية هذا المبدأ عندما تتزامن التغيرات النقدية مع ارتفاع تكاليف الاستيراد وتذبذب السوق السوداء وضعف القدرة الشرائية. فالاستقرار لا يعني تثبيت جميع الأسعار أو منع التغيير، بل يعني وضوح أهداف السياسة الاقتصادية، والإعلان عن تدابيرها المصاحبة، وتوفير آليات عملية للتعامل مع آثارها.
ما المطلوب الآن؟
تُظهر المؤشرات أن التحدي العراقي لا يتمثل في اختيار سعر صرف مناسب فحسب، بل في إدارة انعكاساته على المجتمع والإنتاج والاستثمار. ويمكن تحويل هذا التشخيص إلى ثلاثة مسارات عملية:
أولاً: حماية الأسر الأكثر تضرراً. دراسة تطبيق بطاقة دعم إلكترونية للغذاء والكهرباء والخدمات الأساسية، وفق معايير استحقاق واضحة ومحدثة، مع تقييم كلفتها المالية وقدرة الموازنة على تمويلها.
ثانياً: تحسين كفاءة القنوات المصرفية. معالجة تأخر الحوالات، والإعلان عن مدد إنجاز واضحة، وتعزيز الثقة بالنظام المصرفي لتقليل الاعتماد على السوق السوداء.
ثالثاً: دعم الإنتاج المحلي. تبسيط الإجراءات الصناعية، ومراجعة الرسوم والتعرفة الجمركية وفق أثرها على المستهلك والمنتج، وتوجيه الحوافز نحو الأنشطة القادرة على خلق فرص عمل وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
إن تعديل سعر الصرف قرار اقتصادي تتجاوز آثاره حدود السياسة النقدية. ولذلك، فإن تقييم نجاحه لا ينبغي أن يقتصر على سعر الدولار أو حجم الاحتياطيات، بل يجب أن يشمل أثره على دخل الأسرة، وكلفة الإنتاج، وثقة المستثمر، وقدرة الاقتصاد على توليد فرص العمل.
وفي هذا الإطار، تعمل مؤسسة أصول على رصد انعكاسات التغيرات الاقتصادية على الأسر والقطاع الخاص، بما يساعد على بناء صورة أوضح عن حجم الأعباء وتوزيعها بين الفئات والمحافظات، وتطوير توصيات تستند إلى البيانات وتخدم مسار الإصلاح الاقتصادي.
