اللجنة الاستشارية
مؤسسة أصول للتطوير الاقتصادي والتنمية المستدامة
العراق بين اقتصاد الدولة واقتصاد السوق:
لماذا أصبح القطاع الخاص العراقي يعمل داخل بيئة طاردة للنمو؟
في السنوات التي أعقبت 2003، لم يكن السؤال الحقيقي في العراق متعلقاً بقدرة الدولة على الإنفاق، بل بقدرتها على إعادة تعريف نفسها اقتصاديًا. فالدول الخارجة من التحولات الكبرى لا تُقاس بكمية الأموال التي تدخل خزينتها، وإنما بقدرتها على إعادة بناء علاقتها مع السوق، والقطاع الخاص، ورأس المال الوطني، ومنظومة الإنتاج.
العراق، مع شديد الأسف، لم يحسم هذا السؤال حتى الآن.
ورغم أن الدستور العراقي تبنى اقتصاد السوق كمبدأ عام، إلا أن البنية الإدارية، والتشريعية، والنفسية للدولة بقيت تعمل بعقلية الاقتصاد المركزي، بينما تحولت الأسواق فعلياً إلى مساحات مفتوحة للاستهلاك غير المنظم. وبدلاً من أن ينتج هذا الانتقال “قطاعاً خاصاً وطنياً” يقود التنمية، أنتج نموذجاً هجيناً؛ دولة لا تستطيع تمويل الجميع إلى الأبد، وسوقاً غير قادر على النمو بصورة طبيعية.
ضمن هذا السياق، ناقشت اللجنة الاستشارية في مؤسسة أصول للتطوير الاقتصادي والتنمية المستدامة، وبمشاركة رئيس المؤسسة خالد الجابري، مجموعة من القضايا المرتبطة بمستقبل القطاع الخاص العراقي، وطبيعة المخاطر الهيكلية التي باتت تهدد السوق العراقية، خصوصاً في ظل التحولات الإقليمية الحالية، والتوترات المتعلقة بالطاقة وسلاسل التوريد، والتغيرات المتسارعة في البيئة الجيوسياسية والاقتصادية المحيطة بالعراق.
الاستنتاج الأول الذي خرجت به اللجنة هو أن العراق لا يواجه “أزمة قطاع خاص” بالمعنى التقليدي، بل يواجه أزمة أعمق تتعلق بطبيعة النموذج الاقتصادي للدولة نفسها.
فالقطاع الخاص العراقي لا يعمل داخل اقتصاد سوق حقيقي، كما أنه لا يعمل داخل اقتصاد دولة منظم. إنه يعمل داخل منطقة رمادية؛ بيئة تمتلك أسوأ ما في النموذجين معاً:
- بيروقراطية الدولة المركزية،
- دون استقرارها المؤسسي،
- وانفتاح السوق،
- دون أدوات الحماية والتنظيم والتحفيز المرتبطة به.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية.
ففي الاقتصادات الطبيعية، يُنظر إلى القطاع الخاص باعتباره محركاً للنمو، ومصدراً للإنتاج، وشريكاً في خلق الوظائف، وأداة لتوسيع القاعدة الضريبية مستقبلاً. أما في العراق، فما يزال يُنظر إلى القطاع الخاص، في أجزاء واسعة من المنظومة الإدارية، باعتباره كياناً يجب السيطرة عليه، لا شريكاً يجب تمكينه.
هذه الفلسفة أنتجت بيئة اقتصادية ذات كلفة امتثال مرتفعة بصورة خطيرة.
فالاستثمار في العراق لا يواجه فقط مخاطر السوق الطبيعية، بل يواجه:
- تعدد الجهات الرقابية،
- تضارب التعليمات،
- هشاشة التفسيرات القانونية،
- بطء الإجراءات،
- وارتفاع الكلف غير الإنتاجية.
ومع مرور الوقت، أصبحت كلفة “العمل الرسمي” في بعض الأحيان أعلى من كلفة العمل خارج الاقتصاد المنظم، ما خلق توسعاً مستمراً في اقتصاد الظل.
وهذه نقطة بالغة الخطورة، لأن اقتصاد الظل في العراق لم يعد مجرد نشاط هامشي، بل أصبح في بعض القطاعات آلية دفاع اقتصادي ضد التعقيد الإداري والمالي.
اللجنة ترى أن جزءاً كبيراً من النقاش الاقتصادي في العراق ما يزال يناقش النتائج لا الأسباب. فالتركيز المستمر على زيادة الجباية، أو توسيع الرسوم، أو تشديد الرقابة، يتم دون معالجة السؤال الأساسي:
لماذا يفضّل جزء متزايد من السوق العمل خارج المنظومة الرسمية أصلاً؟
الإجابة لا تتعلق بالضرائب وحدها، بل بكلفة الامتثال الكلية:
- الوقت،
- الروتين،
- التداخل المؤسسي،
- غياب الوضوح،
- والخشية الدائمة من التغيير المفاجئ في البيئة التنظيمية.
وهنا يصبح المستثمر المحلي والأجنبي أمام معادلة معقدة:
السوق العراقية ضخمة ومغرية، لكنها مرتفعة المخاطر تشغيلياً وإدارياً.
ومن هنا ترى اللجنة أن العراق يقف اليوم عند نقطة تحول تاريخية. فالتطورات الإقليمية الأخيرة، سواء المتعلقة بمضيق هرمز أو سلاسل التوريد أو التحولات الجيوسياسية في المنطقة، لم تعد أحداثاً خارجية منفصلة عن الاقتصاد العراقي، بل أصبحت جزءاً مباشراً من معادلة الاستقرار الاقتصادي الداخلي.
العراق اليوم ليس معزولاً عن الجغرافيا السياسية المحيطة به. بل على العكس، فإن موقعه الجغرافي يجعله في قلب واحد من أهم الأحزمة الجيوسياسية والطاقوية في العالم. وهذا يعني أن أي اضطراب في:
- الطاقة،
- النقل،
- الممرات البحرية،
- أو الاصطفافات الإقليمية،
سينعكس مباشرة على:
- الأسعار،
- الاستيراد،
- السيولة،
- وثقة السوق.
لكن الخطورة لا تكمن فقط في التضخم، بل في ما تصفه اللجنة بـ “الانكماش التضخمي التدريجي”، أي الحالة التي ترتفع فيها الأسعار بينما تتراجع القوة الشرائية ويتباطأ النشاط الاقتصادي في الوقت نفسه.
وهذا النوع من الأزمات شديد الخطورة على الاقتصادات الريعية المستوردة، لأن الدولة تجد نفسها أمام ضغط مزدوج:
* ارتفاع كلفة المعيشة،
* مع تآكل قدرة السوق على الحركة والإنتاج.
وفي هذه الحالة، فإن أي توسع إضافي في الرسوم أو القيود التنظيمية قد يدفع الاقتصاد نحو انكماش أعمق، خصوصاً أن العراق يعتمد بصورة شبه كاملة على الاستيراد في:
- الغذاء،
- المواد الأولية،
- السلع الاستهلاكية،
- وحتى أجزاء واسعة من احتياجاته الصناعية.
كما ترى اللجنة أن واحدة من أخطر الإشكاليات المطروحة حالياً تتعلق بطريقة فهم العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص.
فبعض الاتجاهات التنظيمية تحاول معالجة ضعف الحماية الاجتماعية للعاملين عبر توسيع التدخل الإداري المباشر داخل الشركات، خصوصاً في ملفات التوظيف والإدارة التشغيلية. لكن هذا النوع من المقاربات، رغم دوافعه الاجتماعية، قد يؤدي عملياً إلى نتائج عكسية.
فالقطاع الخاص بطبيعته يحتاج:
- مرونة،
- سرعة قرار،
- قدرة على إعادة الهيكلة،
- وحرية في اختيار الكفاءات.
وأي محاولة لنقل البيروقراطية الحكومية إلى داخله ستؤدي تدريجياً إلى:
- انخفاض الإنتاجية،
- هجرة الشركات،
- توسع المكاتب الإقليمية،
- وخروج جزء من رأس المال الوطني إلى بيئات أقل تعقيداً.
وهنا تشير اللجنة إلى نقطة شديدة الحساسية:
العراق لا يملك رفاهية خسارة القطاع الخاص في هذه المرحلة.
فالدولة العراقية وصلت فعلياً إلى حدود التوسع في التوظيف الحكومي، بينما يدخل مئات الآلاف من الشباب سنوياً إلى سوق العمل. وهذا يعني أن القطاع الخاص لم يعد خياراً ثانوياً، بل أصبح ضرورة استراتيجية مرتبطة بالاستقرار الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للدولة نفسها.
لكن تحويل القطاع الخاص إلى قاطرة تنموية حقيقية يتطلب تغييراً جذرياً في فلسفة الإدارة الاقتصادية.
اللجنة ترى أن المطلوب ليس “رفع يد الدولة بالكامل”، بل إعادة تعريف دورها:
- من دولة جباية،
- إلى دولة تنظيم وتحفيز.
أي أن وظيفة الدولة يجب أن تتحول من تعظيم الإيرادات قصيرة الأمد، إلى تعظيم النشاط الاقتصادي طويل الأمد.
فالاقتصادات لا تنمو عبر الضغط المستمر على السوق، بل عبر:
- توسيع القاعدة الإنتاجية،
- تقليل كلف التشغيل،
- تعزيز الثقة،
- وتحويل القطاع الخاص إلى شريك في الاستقرار الوطني.
ولهذا توصي اللجنة بمجموعة من المسارات الاستراتيجية العاجلة، أبرزها:
- تخفيض كلفة الامتثال القانوني والإداري،
- تبسيط الإجراءات،
- رقمنة الخدمات الحكومية المرتبطة بالأعمال،
- إعادة النظر بالرسوم غير الإنتاجية،
- بناء ضمان اجتماعي حقيقي للعاملين في القطاع الخاص،
- وتحويل السياسة المالية من سياسة جباية إلى سياسة تحفيز اقتصادي مرن.
كما تؤكد اللجنة أن العراق يمتلك فرصة تاريخية نادرة، لأن الأسواق الإقليمية تمر بمرحلة إعادة تشكل جيوسياسي واقتصادي عميق. والدول التي ستنجح خلال العقد القادم لن تكون الأكثر إنفاقاً، بل الأكثر قدرة على:
- بناء قطاع خاص قوي،
- تطوير قاعدة إنتاجية،
- وخلق بيئة أعمال مستقرة وقابلة للتنبؤ.
وفي هذا الإطار، ترى اللجنة أن العراق يمتلك مقومات استراتيجية ضخمة:
- موقع جغرافي محوري،
- كثافة سكانية شابة،
- موارد طبيعية هائلة،
- وسوقاً استهلاكياً واسعاً.
لكن هذه المقومات قد تتحول إلى عبء إذا لم تُدار ضمن رؤية اقتصادية واضحة.
فالخطر الحقيقي على العراق ليس نقص الموارد، بل استمرار غياب النموذج الاقتصادي القادر على تحويل هذه الموارد إلى قوة إنتاج وسيادة اقتصادية واستقرار طويل الأمد.
