لماذا أصبحت كلفة البقاء في السوق أعلى من كلفة الانسحاب منه؟
لم تعد التحديات الاقتصادية التي تواجه العراق مرتبطة فقط بأسعار النفط أو حجم الإنفاق الحكومي، بل أصبحت مرتبطة بصورة متزايدة بقدرة الاقتصاد العراقي على الصمود داخل بيئة إقليمية ودولية شديدة الاضطراب. فالعالم يدخل تدريجياً مرحلة جديدة تتراجع فيها استقرار سلاسل التوريد، وتتصاعد فيها مخاطر الطاقة، وتزداد فيها حساسية الأسواق تجاه الجغرافيا السياسية، بينما ما يزال الاقتصاد العراقي يعمل ببنية هشة تعتمد بصورة شبه كاملة على الريع والاستيراد والاستهلاك.
وفي هذا السياق، ناقشت اللجنة الاستشارية في مؤسسة أصول للتطوير الاقتصادي والتنمية المستدامة، وبمشاركة رئيس المؤسسة خالد الجابري، مجموعة من التحولات الاقتصادية العالمية الأخيرة، وانعكاساتها المحتملة على السوق العراقية، خصوصاً في ظل التصاعد المستمر للمخاطر المرتبطة بالطاقة، والممرات البحرية، والتضخم العالمي، واضطراب التجارة الدولية.
وترى اللجنة أن ما يجري اليوم لا يمثل أزمة مؤقتة في الأسواق العالمية، بل يمثل بداية لتحول اقتصادي دولي عميق يعيد تعريف مفاهيم الأمن الاقتصادي، وسلاسل التوريد، واستقلال الطاقة، والقدرة الإنتاجية الوطنية.
فالاقتصاد العالمي، بعد سنوات من الاعتماد المفرط على العولمة منخفضة الكلفة، بدأ يتحول تدريجياً نحو نماذج أكثر تحفظاً تقوم على:
- إعادة توطين الصناعات
- تأمين سلاسل التوريد
- تقليل الاعتماد الخارجي
- وتعزيز الأمن الاقتصادي الداخلي.
لكن العراق، حتى الآن، ما يزال يتحرك بعقلية الاقتصاد الريعي التقليدي، دون بناء منظومة حماية اقتصادية حقيقية قادرة على امتصاص الصدمات الخارجية.
وترى اللجنة أن الخطورة لا تكمن فقط في ارتفاع الأسعار العالمية، بل في هشاشة البنية الاقتصادية المحلية نفسها. فالدول القوية تستطيع امتصاص الصدمات لأنها تمتلك:
- قاعدة إنتاجية
- تنوعاً اقتصادياً
- قطاعاً خاصاً مرناً
- ومؤسسات قادرة على اتخاذ القرار بسرعة.
أما العراق، فما يزال يعتمد بصورة كبيرة على الاستيراد لتأمين:
- الغذاء
- المواد الأولية
- السلع الاستهلاكية
- وحتى أجزاء واسعة من احتياجاته الصناعية والخدمية.
وهذا يعني أن أي اضطراب إقليمي أو دولي يتحول مباشرة إلى ضغط داخلي على:
- الأسعار
- السيولة
- ثقة السوق
- والقدرة الشرائية للمواطنين.
وترى اللجنة أن أخطر ما يواجه العراق خلال المرحلة المقبلة ليس التضخم التقليدي فقط، بل احتمالية الدخول في حالة “الانكماش التضخمي”، أي ارتفاع الأسعار بالتزامن مع تباطؤ النشاط الاقتصادي وتراجع القوة الشرائية.
وهذا النوع من الأزمات يُعد من أخطر الأزمات الاقتصادية على الدول الريعية، لأنه يضع الدولة أمام معادلة معقدة:
ارتفاع كلفة المعيشة،
مع ضعف قدرة السوق على التوسع،
وتراجع النشاط الإنتاجي،
وارتفاع الضغط الاجتماعي في الوقت نفسه.
وتشير اللجنة إلى أن جزءاً مهماً من المشكلة العراقية لا يتعلق فقط بالعوامل الخارجية، بل بطريقة إدارة الاقتصاد داخلياً. فالسوق العراقية تعمل اليوم تحت ضغط مركب يجمع بين:
- البيروقراطية،
- ارتفاع كلف الامتثال
- تعدد الجهات الرقابية
- تضارب التعليمات
- وعدم استقرار البيئة التنظيمية.
ومع تراكم هذه التعقيدات، أصبحت كلفة العمل الرسمي مرتفعة بصورة تدفع أجزاء متزايدة من السوق نحو اقتصاد الظل، ليس بدافع التهرب فقط، بل أحياناً كآلية دفاع اقتصادي للبقاء.
وترى اللجنة أن السياسات الاقتصادية في العراق ما تزال تركز بصورة مفرطة على تعظيم الإيرادات قصيرة الأمد، عبر:
- الرسوم
- الجباية
- والتوسع التنظيمي
دون الالتفات إلى أثر ذلك على النشاط الاقتصادي طويل الأمد.
فالاقتصادات لا تنمو عبر الضغط المستمر على السوق، بل عبر خلق بيئة تسمح لرأس المال الوطني بالنمو والتوسع والإنتاج.
وتؤكد اللجنة أن العراق يقف اليوم أمام لحظة مفصلية. فالتوترات المرتبطة بالطاقة والممرات البحرية وسلاسل التوريد لم تعد ملفات خارجية بعيدة، بل أصبحت جزءاً مباشراً من معادلة الاستقرار الداخلي.
فأي اضطراب في:
- مضيق هرمز
- حركة التجارة
- أسعار الطاقة
- الاصطفافات الإقليمية
سينعكس فوراً على السوق العراقية بحكم طبيعة الاقتصاد القائم على الاستيراد والانكشاف الخارجي.
لكن في المقابل، ترى اللجنة أن العراق يمتلك فرصة استراتيجية نادرة إذا أحسن إدارة المرحلة المقبلة.
فالموقع الجغرافي للعراق، إلى جانب:
- موارده الطبيعية
- سوقه الواسعة
- كثافته السكانية الشابة
- وارتباطه بممرات الطاقة والتجارة
يمكن أن يحوله إلى مركز اقتصادي إقليمي مهم، بشرط الانتقال من اقتصاد الاستهلاك إلى اقتصاد الإنتاج والخدمات والقيمة المضافة.
وترى اللجنة أن هذا التحول لا يمكن أن يتحقق دون إعادة تعريف دور الدولة اقتصادياً.
فالمطلوب ليس انسحاب الدولة الكامل من الاقتصاد، ولا العودة إلى النموذج المركزي المغلق، بل بناء نموذج متوازن تتحول فيه الدولة من:
دولة جباية،
إلى دولة تنظيم وتحفيز وتنمية.
أي أن وظيفة الدولة يجب أن تتركز على:
- تخفيض كلف التشغيل
- تبسيط الإجراءات
- تعزيز الاستقرار التشريعي
- دعم الإنتاج المحلي
- تحويل القطاع الخاص إلى شريك في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
كما تؤكد اللجنة أن بناء قطاع خاص حقيقي لم يعد خياراً اقتصادياً فقط، بل أصبح ضرورة مرتبطة بالأمن الوطني والاستقرار المجتمعي، خصوصاً مع استمرار دخول أعداد كبيرة من الشباب إلى سوق العمل سنوياً، في وقت وصلت فيه الدولة فعلياً إلى حدود قدرتها على التوسع في التوظيف الحكومي.
ولهذا توصي اللجنة بمجموعة من المسارات العاجلة، أبرزها:
- تقليل كلفة الامتثال الإداري والقانوني
- رقمنة الخدمات الحكومية المرتبطة بالأعمال
- إعادة النظر بالرسوم غير الإنتاجية
- دعم الصناعات المحلية
- بناء ضمان اجتماعي فعّال للعاملين في القطاع الخاص
- تحويل السياسة المالية من سياسة جباية إلى سياسة تحفيز اقتصادي مرن
كما ترى اللجنة أن العراق يحتاج خلال المرحلة المقبلة إلى رؤية اقتصادية واضحة تتعامل مع المتغيرات العالمية الجديدة بعقلية استباقية، لا بعقلية إدارة الأزمات المؤقتة.
فالخطر الحقيقي على العراق لا يتمثل فقط في تقلبات النفط أو التوترات الإقليمية، بل في استمرار غياب النموذج الاقتصادي القادر على تحويل الموارد إلى:
- إنتاج
- فرص عمل
- قوة سوق
- وسيادة اقتصادية طويلة الأمد.
