ضريبة غير مكتوبة تدفعها كل أسرة
الأسرة العراقية تدفع من جيبها نحو 665 ألف دينار شهرياً لتعويض ضعف سبع خدمات أساسية يفترض أن تقدمها الدولة. وهذا المبلغ وحده يعادل نحو 44% من كلفة حد الكفاف البالغة 1.5 مليون دينار شهرياً.
هذه الخدمات هي: الصحة، والتعليم، وماء الشرب، والكهرباء، والخدمات البلدية، والإنترنت، والطرق والنقل. والرقم لا يشمل الغذاء ولا الإيجار ولا الكسوة.
هذا ما خلصت إليه جلسة ناقشت تراجع هذه الخدمات وأسبابها، وما ينفقه المواطن لسدّ النقص في كل منها. والأخطر أن هذا العبء لا يراعي الدخل: الأسرة الفقيرة والميسورة تدفعان المبلغ نفسه تقريباً.
ومن هنا يبدأ السؤال الذي يطرحه هذا المقال: إذا كانت الموارد محدودة، فكيف يصل الدعم إلى من يحتاجه فعلاً، ولا يتسرّب إلى من لا يحتاجه؟
الكهرباء: أقل الإنفاق وأشد الحرمان
الكهرباء ليست أكبر بنود الـ665 ألف دينار، لكنها الأشد أثراً في حياة الناس. فبحسب ما طرحته الجلسة، يعاني نحو 63% من السكان من الحرمان من الكهرباء في الصيف.
والنتيجة أن العجز في قطاع ينتقل إلى قطاع آخر. أسر في الجنوب تذهب إلى المستشفى بحجة المرض، والغاية الحقيقية ساعات من التبريد. فترتفع كلفة تشغيل وزارة الصحة بسبب سوء أداء وزارة الكهرباء، ويدفع المال العام الثمن مرتين.
وأكد المشاركون أن السبب الجذري مزدوج: ضعف إنتاج الطاقة، وضعف إيصالها إلى المنازل.
هذا هو المبرر الأوضح لتوجيه الدعم بدقة. فالأسرة التي لا تملك ثمن أمبيرات إضافية من المولدة لا ينفعها دعم عام يتوزع على كل المستهلكين. بينما يغيّر حياتها دعم موجّه إليها بالاسم والعنوان.
ماذا يقول العالم: الدعم العام مكلف والموجّه أنجع
أحدث تقارير OECD تصل إلى نتيجة واحدة: الدعم غير الموجّه يستنزف الموازنة دون أن يحمي الأضعف.
في تقرير «استعادة المالية العامة» (2026) ترصد المنظمة أن الإجراءات غير الموجّهة شكلت 77% من كلفة دعم الطاقة في أزمة 2022–2023. وخلصت منها إلى ثلاثة دروس (OECD, Restoring Public Finances):
- استهداف الأسر الأضعف يخفض الكلفة ويضاعف الأثر.
- لكل دعم موعد انتهاء معلن، حتى لا يتحول إلى حق دائم.
- الدعم يذهب للدخل لا للسعر، حتى يبقى الحافز للترشيد.
ويقدّم التقرير أداة عملية: استخدام قوائم الرعاية الاجتماعية القائمة باباً سريعاً لإيصال الدعم. ثم الانتقال إلى تصنيف الأسر بحسب درجة هشاشتها: الدخل، والعمر، والمرض، والموقع الجغرافي. ومثاله منحة الوقود في أيرلندا، التي تُمنح بمعايير العمر والدخل وتركيبة الأسرة.
وبحسب التقرير نفسه، يعيد أكثر من نصف دول المنظمة النظر في دعم الأسر بالتشديد في اختبار الدخل. وتستخدم كلها تقريباً «مراجعات الإنفاق» لكشف التكرار والهدر.
ومن الاقتصاديين البارزين، قارنت ريما حنا وبنجامين أولكن بين الدخل الأساسي الشامل والتحويلات الموجّهة في إندونيسيا والبيرو. ووجدا أن الاستهداف، رغم أخطائه، يحقق مكاسب رفاه أعلى بكثير، لأنه يمنح الفقير مبلغاً أكبر بالميزانية نفسها (NBER).
وما تطرحه الجلسة عن القطاع الخاص تؤكده OECD في تقرير «تنظيم ذكي، أعمال قوية» (2026) (OECD, Smart Regulations):
- منظمات الأعمال في 90% من الدول، والحكومات نفسها في 72%، ترى أن البيروقراطية مفرطة.
- المشاريع الصغيرة والمتوسطة تتحمل العبء الأثقل.
- المشكلة الأكبر في الإجراءات والتقارير أكثر منها في جوهر القانون.
- في 70% من الدول لا ترى الشركات القواعد متسقة مع بعضها. وهذا بالضبط ما يحدث حين تتسابق عدة جهات على قطاع واحد.
أما تقرير «الناس والموازنة» (2026) فيربط نجاح أي إصلاح مالي بالثقة. ويرصد فجوة ثقة تبلغ 47 نقطة مئوية بين من يشعرون أن لأمثالهم صوتاً في القرار ومن لا يشعرون بذلك (OECD, The People and the Budget). وهذا سند مباشر لتوصية إشراك القطاع الخاص والخبراء في مطبخ القرار الاقتصادي.
قراءة الشركات الاستشارية: احمِ الناس لا الأسعار
في شباط 2026 أطلقت كي بي إم جي، بالتعاون مع القمة العالمية للحكومات، تقرير «الجراحة المالية» عن ترشيد الدعم. وقدّر التقرير الدعم العالمي بنحو 7 تريليونات دولار في 2022، أي أكثر من 7% من الناتج العالمي، ومعظمه للطاقة (World Governments Summit).
ووصف التقرير الدعم غير الموجّه بأنه يُثقل الموازنة، ويضعف حافز ترشيد الموارد، ويذهب أكثره إلى الأسر الأعلى دخلاً. وتضمّنت توصياته:
- إصلاح متدرّج ومتسلسل بدل الرفع المفاجئ.
- حماية الناس مباشرةً بتحويلات نقدية أو تعرفة استهلاك أساسي مخفّضة، بدل كبح الأسعار للجميع.
- اتصال شفاف بالمواطنين، وتنسيق مؤسسي محكم بين الجهات.
- توجيه الموارد الموفّرة إلى البنية التحتية والتعليم والصحة.
ويشير التقرير إلى أن دول الخليج مضت في هذا الطريق بربط أسعار الوقود بالمؤشرات العالمية، وبتعرفات متدرجة، وبحماية اجتماعية موجّهة.
وتلاقي هذه الخلاصة ما توصلت إليه OECD. فالسؤال لم يعد «ندعم أم لا»، بل «من ندعم، وكيف، وإلى متى».
الرؤية العراقية: من «ضريبة الرأس» إلى دعم بالطبقات
ضريبة لا تعرف العدالة
صرّح السيد خالد الجابري، رئيس مؤسسة أصول للتطوير الاقتصادي والتنمية المستدامة، بأن الـ665 ألف دينار هي «الحد الأدنى» الذي تدفعه كل أسرة عراقية لتعويض تردي الخدمات الحكومية السبع. ويسمّيها «ضريبة رأس»، لأن الجميع يدفعها بالرقم نفسه تقريباً، فلا تنسجم مع الدخل ولا مع العدالة الضريبية.
ويوضح الجابري أن الكهرباء لا تشكّل أكثر من نحو 15% من هذا الإنفاق. أما النصيب الأكبر، قرابة 45%، فيذهب إلى الصحة والتعليم، لأن الناس تلجأ إلى القطاع الخاص فيهما. ويحذّر من أن أكثر من نصف الأسر تؤجّل العلاج، فيتفاقم المرض وتتضاعف كلفته لاحقاً.
خريطة الطبقات: مفتاح توجيه الدعم
استناداً إلى استبيان مؤسسة أصول لعينة من 500 أسرة، يقسّم الجابري المجتمع إلى أربع طبقات بحسب الدخل الشهري للأسرة:
| الطبقة | الدخل الشهري للأسرة |
| العاجزة | نحو 750 ألف دينار فما دون |
| المضغوطة | نحو 1.25 مليون دينار |
| المكتفية | نحو 2 مليون دينار |
| المحصّنة | نحو 3.25 مليون دينار |
وبحسب العينة نفسها، تشكّل الطبقة العاجزة نحو 21%، وتبلغ العاجزة والمضغوطة معاً نحو النصف. وهذا التقسيم هو نفسه ما تطلبه OECD حين تدعو إلى تصنيف الأسر بحسب درجة هشاشتها.
ويرى السيد الجابري أن هناك طبقة عاجزة يجب دعمها «بغض النظر عن سعر الدولار». ويقترح لذلك مسارين:
- دعم مباشر: كوبونات غذائية من مراكز التسوق، وخفض اشتراكات المولدات عبر حصص الكاز.
- دعم غير مباشر، «وهذا المهم»: خفض القيمة الكمركية بإجراء حكومي، وإعفاءات ضريبية على المواد الأساسية بقرار برلماني.
تصميم الدعم أعقد ما في الملف
وينبّه الجابري إلى أن أوروبا أطلقت نحو 60 إلى 70 حزمة دعم، لكنها «وقعت بمحظور»: استفادت منها طبقات لا تحتاجها. ولذلك يرى أن تصميم الدعم هو «أعقد عملية» اليوم، دون أن يكون ذلك مبرراً لعدم إطلاق الحزم.
وهذه هي ملاحظة OECD نفسها عن الدعم غير الموجّه الذي بلغ 77% من الكلفة. ويضيف الجابري أن أموال الدعم يجب أن تأتي من الإصلاحات والإدارة الرشيدة للموارد، «وليس زيادة الرسوم أو الضرائب» لأنها تقوّض النشاط الاقتصادي.
الإصلاح سلة واحدة
ويشبّه الجابري بعض الإصلاحات باللقاح الذي يُحدث حرارة مؤقتة لا بد من تحمّلها. لكن الإصلاح برأيه يجب أن يكون «سلة واحدة متكاملة، مو أجزاء». فالاكتفاء بخفض قيمة الدينار مثلاً هو «لصقة فوق الجرح» وليس علاجاً.
لا تخنقوا القطاع الذي يشغّل الناس
وفي ملف شركات التوصيل، يلفت السيد الجابري إلى أنها تُطالَب بترخيصين من جهتين: دائرة البريد في وزارة الاتصالات، ودائرة النقل البري في وزارة النقل. وهي تشغّل في سلسلتها ما لا يقل عن مليون فرصة عمل، بين التاجر والناقل والمجهّز وصاحب الدراجة.
ويطرح الجابري سؤالاً قبل فرض أي عبء تنظيمي: هل تملك الدولة قابلية استيعاب مليون عامل قد يفقدون فرصتهم؟ ويرى أن تقييد هذا القطاع يقيّد فعلياً الأعمال الصغيرة القائمة في البيوت. ففي الأزمة تُخفّض الضرائب والكمارك، لا تُزاد.
ويتفق هذا مع ما رصدته OECD من أن العبء الإجرائي المتشظي بين الجهات هو ما يثقل المشاريع الصغيرة أكثر من غيرها.
من الميدان: رأس المال يهرب من المجهول لا من الضريبة
تحذير الجلسة من هجرة رأس المال وفرص العمل يجد تفسيره عند من يعملون مع المستثمرين يومياً.
المستثمر ليس منظمة خيرية، وأول ما يسأل عنه هو استقرار القوانين، لا نسبة الضريبة. والتهرب وخروج رؤوس الأموال ليس سببهما ارتفاع الضريبة، بدليل أن الشركات لم تغادر الإمارات حين طبّقت ضريبة الشركات، لأن النظام هناك عادل وشفاف وواضح. المهم هو «اليقين الضريبي»: أن يعرف المستثمر كم سيدفع، ومتى، ولمن، دون مفاجآت. وهذا ما جاء على لسان الضيف قتيبة زكي، المدير الأول في ديلويت الشرق الأوسط – العراق، في حلقة «السياسات الضريبية في العراق بين التعقيد والرقمنة!» من بودكاست نمو.
وهذه الشهادة تدعم التوصية الرابعة للجلسة مباشرة. فحين تتسابق جهات عدة على جباية رسوم من قطاع واحد، لا يعرف المستثمر ما ينتظره. وهذا بالضبط المجهول الذي يطرد رأس المال إلى دول أكثر انتظاماً.
التوصيات
توصيات الجلسة
- إعادة هيكلة شاملة لا جزئية: المتغيرات الاقتصادية مترابطة، والإصلاح الجزئي قد يولّد مشكلات أكبر مما يحل.
- إشراك القطاع الخاص والخبراء في المجلس الوزاري للاقتصاد: فهو مطبخ القرار الاقتصادي، ولا يصح أن ينفرد به الجانب الحكومي.
- استبيانات وأرقام حقيقية: تعتمدها وزارة المالية والبنك المركزي لمعرفة ما يجري فعلاً في الشارع.
- عدم الضغط على الوعاء نفسه: القطاعات النامية المولّدة للوظائف، كالتوصيل، تُترك لتنمو. تُستوفى منها الضريبة الرسمية فقط، دون رسوم وجبايات إضافية تُنهكها. فغاية الضريبة أصلاً توفير الخدمات وفرص العمل.
- الحذر من هجرة رأس المال وفرص العمل: إلى دول أكثر تطوراً في تنظيمها وأوضح في بيئتها الرسمية.
- العدالة الاجتماعية في توزيع الثروات على المواطنين.
توجيه الدعم بدقة: خمس خطوات عملية
من تقاطع توصيات الجلسة مع تقارير OECD ومواقف الجابري، يمكن بناء نظام دعم موجّه على هذا النحو:
- سجل اجتماعي موحّد بالطبقات الأربع: يبدأ بقوائم الرعاية الاجتماعية والبطاقة التموينية القائمة. ثم يُغنى ببيانات الدخل والعمر والمرض والموقع، لتحديد العاجزة والمضغوطة بالاسم والعنوان.
- دعم الدخل لا السعر: تحويل مالي أو قسيمة رقمية للطبقة العاجزة، بدل تخفيض عام يستفيد منه الميسور بقدر استهلاكه.
- أولوية للصحة والتعليم ثم الكهرباء: الصحة والتعليم يستهلكان الجزء الأكبر من الإنفاق، والكهرباء تصنع الحرمان الأشد. ومن ذلك حصص وقود لمولدات الأحياء الفقيرة مشروطة بتخفيض الاشتراك.
- موعد انتهاء ومراجعة سنوية: لكل حزمة دعم شرط انتهاء معلن، ومراجعة إنفاق تقيس من استفاد فعلاً.
- تمويل من الإصلاح لا من الجباية: من ضبط الدعم غير الموجّه والإدارة الرشيدة للموارد، لا من رسوم جديدة تخنق القطاع الذي يشغّل الناس.
خاتمة: بلد غني تنقصه الإدارة
خلصت الجلسة إلى أن العراق ليس بلداً فقيراً، بل بلد غني تنقصه الإدارة.
والـ665 ألف دينار التي تدفعها الأسرة كل شهر هي الثمن المباشر لهذا النقص. خدمات لا تصل، ودعم لا يعرف عنوانه، ورسوم تثقل القطاع الذي كان يمكن أن يعوّض النقص.
توجيه الدعم بدقة ليس تقشفاً. هو أول اختبار لهذه الإدارة: أن تعرف الدولة من يحتاجها، وأن تصل إليه، وأن تقيس ما تغيّر في حياته.
المصادر
- OECD (2026) — Restoring Public Finances: Enabling Effective Government
- OECD (2026) — Smart Regulations, Strong Business
- OECD (2026) — The People and the Budget: Empowering Public Understanding of Public Finances
- Rema Hanna & Benjamin Olken, NBER (2018) — Universal Basic Incomes vs. Targeted Transfers
- KPMG & World Governments Summit (2026) — Targeted subsidy reform can boost growth, equity, sustainability