500 ألف تثبيت لا تصنع وظيفة جديدة: موازنة 2027 واختبار دولة الرواتب
Oct 31, 2026 · @Khalid
تثبيت نصف مليون متعاقد يُنصف من انتظروا سنوات، لكنه لا يخلق وظيفة واحدة للخريجين القادمين. وبين هذين الوجهين تقف موازنة 2027، الأكبر في تاريخ العراق، أمام اختبار لا تحسمه الأرقام وحدها.
المشكلة بالأرقام
أعلن الناطق باسم الحكومة في 24 تشرين الأول 2026 توجيه رئيس الوزراء بتثبيت أكثر من 500 ألف متعاقد وأجير يومي، واستحداث 120 ألف درجة بصيغة عقد. وتشير أرقام المسودة المنشورة إلى إنفاق نحو 217.2 تريليون دينار مقابل إيرادات 174.2 تريليون، أي عجز يقارب 43 تريليوناً. وتقدّره اللجنة المالية النيابية بنحو 50 تريليوناً.
تبلغ الرواتب في المسودة 64.7 تريليون دينار، والرعاية الاجتماعية 33 تريليوناً، أي نحو 45% من الإنفاق. وتُبنى المسودة على 58 دولاراً للبرميل وتصدير 4 ملايين برميل يومياً وسعر صرف 1500 دينار. كل ذلك في سنة يتوقع فيها صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد 16%، وتراجعت فيها الاحتياطيات من نحو 109 مليارات دولار إلى 80.6 ملياراً.
وفي 29 تشرين الأول أعلن الصندوق بدء مباحثات برنامج تمويلي جديد مع بغداد، وفي اليوم التالي نفت الحكومة أنباء عن اقتراض 16 تريليون دينار. أما السؤال الذي يتداوله الناس فبسيط: من أين تُدفع الرواتب، والدولة أنفقت حتى نهاية آب 78.9 تريليون دينار مقابل إيرادات 45.3 تريليون؟
التشخيص: لماذا يعود التعيين في كل أزمة؟
التعيين الحكومي في العراق ليس سياسة تشغيل، بل نظام تأمين اجتماعي غير معلن يوزّع الريع النفطي. ويعمل عبر أربع قنوات مترابطة:
- سوق خاصة لا تستوعب. تقدّر وزارة التخطيط البطالة بـ 13% وبين الشباب بنحو 20%، مع نحو 250 ألف خريج سنوياً من الجامعات الحكومية وحدها. حين لا تفتح الشركات أبواباً، يتحوّل الضغط الاجتماعي كله إلى الموازنة.
- إيراد نفطي يموّل الأجور. هبطت الصادرات من 3.36 مليون برميل يومياً في شباط إلى 131 ألفاً في نيسان، وعادت إلى نحو 3.4 مليون بخصومات 25–30 دولاراً للبرميل. أي صدمة في هرمز تصل مباشرة إلى جيب الموظف.
- مزاحمة الإنفاق المنتج. النفقات الجامدة تأكل الحيّز المالي، فيتراجع الإنفاق على مستلزمات التشغيل والاستثمار. النتيجة موظف بلا أدوات، وخدمة عامة رديئة.
- الدفع مرتين. تعوّض الأسر ضعف الخدمة بالإنفاق من الجيب على المولدة والتعليم الأهلي والعلاج الخاص، فيتآكل الدخل الذي جاء أصلاً من الراتب.
المفاضلة هنا واضحة. التثبيت يرفع استقرار دخل المتعاقدين في المدى القصير، لكنه يحوّل نفقات مرنة إلى التزام دائم مع حقوق تقاعدية. ويتحمّل الكلفة طرفان غائبان عن النقاش: خريجو السنوات القادمة، والقطاع الخاص الذي ينافس وظيفة مضمونة مدى الحياة. ولم تُنشر حتى الآن كلفة القرار، مع أن وزارة المالية أحصت العقود وقدّرت كلفتها.
ماذا يقول العالم؟
تظهر مقارنة بسيطة حجم الفجوة. فبحسب تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية «استعادة المالية العامة» (2026)، تشكّل أجور العاملين في القطاع العام 23% من الإنفاق الحكومي في دول المنظمة. وفي مسودة العراق تبلغ الرواتب وحدها نحو 30% من الإنفاق (64.7 من 217.2 تريليون)، قبل احتساب الرعاية الاجتماعية.
ويبيّن التقرير أن نحو ثلاثة أخماس الدول المستجيبة لمسحها تجري إصلاحات للتوظيف العام تستهدف حجمه وهيكله وأجوره. والنموذج الأكثر نضجاً كندي: خطة لخدمة عامة أرشق تجمع تقليص القوى العاملة وتجديدها مع أدوات وتقنيات وتدريب لرفع الإنتاجية. ويحذّر التقرير من أن الإنفاق في الدولة المتوسطة يرتفع 0.8% من الناتج بين 2024 و2026، بينما تضيف إجراءات الإيراد 0.3% فقط. فحتى الدول الغنية تخسر سباق الإنفاق حين يكون الإصلاح تدريجياً مجزّأً.
ويضيف تقرير المنظمة «تنظيم ذكي، أعمال قوية» (2026) النصف الآخر من المعادلة: حصة الشركات الجديدة والشابة من التشغيل تراجعت 6 نقاط مئوية منذ 2004 في دول مختارة. ومن أسباب ذلك تنظيم متضخم يفرض كلفاً ثابتة تعاقب الشركات الجديدة والصغيرة أكثر من غيرها. الدرس للعراق مباشر: الوظيفة الخاصة الجديدة تولد غالباً في شركة صغيرة جديدة، وهي أول ضحايا الإجازات الطويلة.
ويذهب الاقتصادي داني رودريك من جامعة هارفارد أبعد، إذ يرى أن الوظائف الجيدة يجب أن تكون «منتجة، لا بالضرورة الأكثر إنتاجية». ويدعو إلى دمج سياسات النمو والتشغيل والحماية الاجتماعية، والتركيز على الأنشطة متوسطة الإنتاجية مثل الخدمات المحلية، واستخدام حوافز أعمال مصممة بدل دعم تشغيل بسيط. وهذا ما يغيب عن نقاش الموازنة: الوظيفة هنا بند إنفاق، لا نتيجة سياسة اقتصادية.
وإقليمياً، يتوقع صندوق النقد انكماش الكويت 16.7% وقطر 15.6% في 2026. لكن الفارق أن الجيران يدخلون الصدمة بصناديق سيادية، بينما يدخلها العراق بفاتورة أجور متضخمة واحتياطيات تستنزف.
قراءة الشركات الاستشارية
رصدت شركة أوليفر وايمان المعضلة نفسها في دول الخليج في تقريرها «تعظيم توظيف المواطنين في دول الخليج» (2018). فهي تربط جزءاً من العجوزات الخليجية بكلفة القوى العاملة العامة، وترى أن توزيعاً أكثر توازناً بين القطاعين يجلب مكاسب مالية ويهيّئ المواطنين للمنافسة. ومنهجها يسأل ثلاثة أسئلة: كيف نجعل الوظيفة الخاصة جذابة للمواطن، والمواطن جذاباً لصاحب العمل، وما المهارات المطلوبة؟ ويجمع بين إجراءات سريعة وإصلاح اقتصادي أوسع. التقرير قديم نسبياً، لكن أسئلته هي أسئلة العراق اليوم.
الرؤية العراقية: ماذا يقترح الجابري؟
صرّح السيد خالد الجابري، رئيس مؤسسة أصول للتطوير الاقتصادي والتنمية المستدامة، بأن الحديث عن أزمة مع استمرار التعيين يكشف أزمة أعمق، معناها «أننا لا نعرف نفعّل القطاع الخاص». ويرى أن الاقتصاد العراقي «لا يولّد فرص عمل»، فلم يبقَ أمام الدولة إلا «التعيين الريعي». وهذا يطابق تشخيص رودريك: التوظيف العام هنا بديل عن سياسة وظائف غائبة.
ويضع الجابري الموازنة أمام حساب مباشر. فهو يقدّر النفقات الحاكمة بنحو 125 مليار دولار، ويرى أن تصدير 3.5 مليون برميل يومياً يعني عجزاً بنحو 46 مليار دولار بسعر 50 دولاراً للبرميل، ونحو 32 ملياراً بسعر 60، ونحو 17 ملياراً بسعر 70. ولا تتعادل النفقات الحاكمة إلا عند 85 دولاراً، مع أن التصدير الفعلي أقل من 3.5 مليون برميل.
| المحور | الطرح العالمي | ما يضيفه الجابري من خصوصية عراقية |
| حجم التوظيف العام | OECD: إصلاح الحجم والهيكل والأجور، وكندا تجمع التقليص بالتجديد | انتقال طوعي لا فصل: موظف بـ800 ألف دينار يتلقى عرضاً بمليونين مع ضمان اجتماعي |
| بيئة الأعمال | OECD: التنظيم يعاقب الشركات الجديدة والصغيرة | إجازة المصنع في 72 ساعة وإجازة الاستثمار في أسبوع |
| تسلسل الإصلاح | أوليفر وايمان: إجراءات سريعة مع إصلاح أوسع | ثلاث مراحل: أقل من 3 سنوات، ثم 5–7، ثم 20 سنة |
| دور الدولة | رودريك: دمج النمو والتشغيل والحماية الاجتماعية | الدولة تشتري الخدمة بدل أن تشغّلها |
ويرى السيد الجابري أن المواطن «يدفع مرتين» على الكهرباء والماء والتعليم والصحة، وأن الأسر تضخ نحو 30–36 تريليون دينار سنوياً على سبع خدمات تقصّر فيها الدولة. ويدعو إلى «إعادة هندسة» هذا الإنفاق بأن تشتري الدولة الخدمة من القطاع الخاص وتراقبها، فتتولد الوظائف خارج الملاك الحكومي. والنجاح عنده حين يصبح راتب القطاع الخاص ضعف الحكومي، فتحدث «هجرة عكسية».
ويستشهد الجابري بالصين التي نزل فيها عدد الموظفين العموميين من 120 مليوناً إلى 74 مليوناً خلال خمس إلى ست سنوات، لأن فتح الشركة صار شبه مجاني. وينبّه إلى أن وزارة التربية تنفق 99% على الرواتب، بينما تبلغ مستلزمات التشغيل في المعيار العالمي نحو 60% من الرواتب. وفي تصريح صحفي سابق قدّر كلفة ساعة العمل الحكومي بنحو 37 مليار دينار، ورأى أن «الوقت مدفوع الثمن والنتائج غائبة».
يتفق الجابري مع الطرح العالمي في التشخيص، لكنه يضيف شرطاً عراقياً: لا تراكم للإصلاح لأن كل حكومة لا تعترف بما بدأته سابقتها. ولذلك يبدأ بالمحفزات لا بالقيود، ويجعل الأسرة لا البند المحاسبي هدف الموازنة.
من الميدان
وهذا ما جاء على لسان الضيف إسماعيل مرقة، الشريك الأول لـPwC في العراق، في حلقة “العراق غني بثرواته الطبيعيه والبشرية والتنمية تكون بجودة ادارتها!” من بودكاست نمو: الدولة في النظام الصحي البريطاني لا تملك المستشفيات ولا تشغّل الأطباء، بل صارت «دورها منظم أكثر من ما هو ينزل بالعمل». ويرى أن تخفيف الاعتماد على النفط يبدأ بتقوية القطاع الخاص حتى ينتج ويخفّف عبء الاستيراد.
وما جاء على لسان الضيف سامان بوجان، المدير العام لشركة آسياسيل، في حلقة “كيف تحول قطاع الاتصالات في العراق” من بودكاست نمو: القطاع الخاص «هو الأداة الوحيدة والممكنة» للتحول السريع، شريطة استراتيجية حكومية طويلة الأمد تلتزم بها الحكومات المتلاحقة.
التوصيات
- وزارة المالية: تنشر كلفة تثبيت 500 ألف عقد والـ120 ألف درجة ومصادر تمويلها قبل التصويت، عبر ملحق أثر مالي لثلاث سنوات يشمل الالتزامات التقاعدية.
- اللجنة المالية النيابية: تضيف مادة تربط كل درجة جديدة في القطاعات الخدمية بمخصص لمستلزمات تشغيلها.
- مجلس الوزراء وهيئة الاستثمار ووزارة الصناعة: يعتمدون إجازة المصنع في 72 ساعة وإجازة الاستثمار في أسبوع، عبر نافذة رقمية واحدة بمبدأ الموافقة الضمنية عند انقضاء المدة.
- وزارة العمل وهيئة التقاعد: تفتحان مسار انتقال طوعي من القطاع العام إلى الخاص يحفظ سنوات الخدمة، عبر نقل الحقوق التقاعدية بين النظامين.
- وزارتا الصحة والتربية: تجربان شراء الخدمة من القطاع الخاص في محافظتين، بعقود أداء تربط الدفع بمؤشرات جودة معلنة.
- وزارة التخطيط: تنشر مع كل موازنة مؤشراً للوظائف الخاصة الجديدة، من مسح القوى العاملة، ليقاس النجاح بما ينشئه الاقتصاد لا بما تضيفه الدولة.
- الحكومة في مباحثات صندوق النقد: تقدّم إصلاح فاتورة الأجور برنامجاً عراقياً متدرجاً بثلاث مراحل، في وثيقة إصلاح وطنية تلتزم بها الحكومات اللاحقة، بدل انتظار شروط تُفرض من الخارج.
خاتمة
التثبيت قرار اجتماعي مفهوم، لكنه ليس سياسة تشغيل. إن مرّت موازنة 2027 دون أدوات تخلق وظائف خارج الدولة، فستعود موازنة 2028 بالسؤال نفسه وبأعداد أكبر. الفرصة الآن أن يرافق كل دينار يُنفق على الرواتب إجراءٌ يجعل الوظيفة الخاصة خياراً حقيقياً.
المصادر
- OECD (2026)، Restoring Public Finances: Enabling Effective Government — https://doi.org/10.1787/fbcf9161-en
- OECD (2026)، Smart Regulations, Strong Business — https://doi.org/10.1787/93d38770-en
- Dani Rodrik (2021)، How can we generate more good jobs in developing countries? — World Bank Jobs blog، منشور في المنتدى الاقتصادي العالمي: https://www.weforum.org/stories/jobs-and-the-future-of-work/how-can-we-generate-more-good-jobs-in-developing-countries/
- Oliver Wyman (2018)، Maximizing Employment of Nationals in the GCC — https://www.oliverwyman.com/our-expertise/insights/2018/oct/maximizing-employment-of-nationals-in-the-gcc.html
- المدى (2026/10/27)، موازنة 2027 الأكبر في تاريخ العراق رغم الأزمة — https://almadapaper.net/458539/
- The National (2026/10/26)، Iraq’s biggest ever budget for 2027 — https://www.thenationalnews.com/business/economy/2026/10/26/iraqs-biggest-ever-budget-for-2027-built-for-boom-times-amid-economic-bust/
- 964 (2026/10/24)، قرار تثبيت نصف مليون عقد — https://964media.com/728820/
- 964 (2026/10/29)، صندوق النقد يبدأ مباحثات برنامج إنقاذ — https://964media.com/731078/
- 964 (2026/10/30)، الحكومة تنفي اقتراض 16 تريليون — https://964media.com/731276/
- شفق نيوز (2026/10/13)، IMF: Iraq’s economy to shrink 16% — https://shafaq.com/en/Economy/IMF-Iraq-s-economy-to-shrink-16-in-2026
- شفق نيوز (2026/2/20)، بطالة الخريجين نقلاً عن وزارة التخطيط
- موقع إيشان (2025/12/13)، كلفة ساعة العمل الحكومي
